والثامن منها: الريح وذكره بقوله: {يَعْقِلُونَ} ؛ أي: وفي تقليب الرياح وتحويلها، وتوجيهها مرة جنوبًا ومرة من شمالًا، وباردةً وحارةً، ولينةً وعاصفةً.
والآيات فيها: أنها جسم لطيف لا يمسك ولا يرى؛ وهي مع ذلك في غاية القوة بحيث تقلع الشجر والصخر، وتخرب البنيان، وهي مع ذلك حياة الوجود، فلو أمسكها طرفة عين .. لمات كل ذي روح، وأنتن ما على وجه الأرض.
والنوع التاسع منها: السحاب وذكره بقوله: {وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ} ؛ أي: وفي الغيم المذلل لقدرة الله تعالى يسير {بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} بواسطة الرياح حيث شاء الله تعالى، وهو يحمل الماء الغزير، ثم يصبه على الأرض قطرات قطرات.
قال كعب الأحبار: السحاب غربال المطر، ولولا السحاب .. لأفسد المطر ما يقع عليه من الأرض، وتسخيره بعثه من مكان إلى مكان، وقيل: تسخيره ثبوته بين السماء والأرض بلا علاقة تمسكه، والآيات في ذلك: أن السحاب مع ما فيه من المياه العظيمة التي تسيل منها الأدوية الكبيرة يبقى معلقًا بين السماء والأرض بلا علاقة تمسكه، ولا دعامة تسنده.
{لَآيَاتٍ} ؛ أي: إن في جميع ما ذكر من خلق السماوات والأرض إلى هنا لدلائل وبراهين عظيمة دالة على وحدانية الرب الحكيم، ودالة على القدرة القاهرة، والحكمة الباهرة، والرحمة الواسعة. قيل: وإنما جمع آيات؛ لأن في كل واحد مما ذكر من هذه الأنواع آيات كثيرة تدل على أن لها خالقًا مدبرًا مختارًا {لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} ؛ أي: يتفكرون فيها وينظرون إليها بعيون عقولهم، فيعرفون بأن هذه الأمور من صنع إله قادرٍ حكيم، وفيه تعريضٌ بجهلِ المشركين الذين اقترحوا على النبي - صلى الله عليه وسلم - آية تصدقه، وفي الحديث:"ويل لمن قرأ هذه الآية فمج بها"؛ أي: لم يتفكر فيها.