كُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَفْهَمَهَا وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ أَسْبَابَ ذَلِكَ الِاخْتِلَافِ وَتَقْدِيرَهُ. وَفِي الْقُرْآنِ بَيَانٌ لِذَلِكَ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا) (17: 12) فَهَذِهِ الْآيَةُ تَهْدِي إِلَى مَا فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الْمَنَافِعِ الْعَامَّةِ وَفِي مَعْنَاهَا آيَاتٌ أُخْرَى. وَقَالَ تَعَالَى: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا) (25: 62) وَهَذِهِ هِدَايَةٌ إِلَى الْمَنَافِعِ الدِّينِيَّةِ. وَهُنَاكَ آيَاتٌ تُشِيرُ إِلَى أَسْبَابِ هَذَا الِاخْتِلَافِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ) (39: 5) وَقَوْلِهِ: (يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا) (7: 54) وَهَاتَانِ الْآيَتَانِ تَدُلَّانِ عَلَى اسْتِدَارَةِ الْأَرْضِ وَدَوَرَانِهَا حَوْلَ الشَّمْسِ كَمَا بَيَّنَاهُ فِي مَوَاضِعَ مِنَ (الْمَنَارِ) بِالتَّفْصِيلِ وَفِي (التَّفْسِيرِ) بِالْإِجْمَالِ.
وَصَفْوَةُ الْقَوْلِ فِي هَذَا الْمَقَامِ: أَنَّ اخْتِلَافَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَثَرٌ مِنْ آثَارِ النِّظَامِ الشَّمْسِيِّ، وَقُلْنَا: إِنَّ ذَلِكَ النِّظَامَ يَدُلُّ عَلَى وَحْدَةِ وَاهِبِهِ وَمُقَدِّرِهِ، وَنَقُولُ: إِنَّ آثَارَهُ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا، وَأَمَّا دَلَالَتُهَا عَلَى رَحْمَتِهِ تَعَالَى فَظَاهِرَةٌ مِمَّا تَقَدَّمَ الِاسْتِشْهَادُ بِهِ مِنَ الْآيَاتِ آنِفًا.