وقوله تعالى: {وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} قال المفسرون: وذلك أن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - يُسأل عن حال أمته، فيزكّيهم، ويشهد بصدقهم.
وقوله تعالى: {عَلَيْكُمْ} أي: لكم، كقوله: {وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ} [المائدة: 3] ، أي: للنصب، وقيل: معناه: على صدقهم، فهو من باب حذف المضاف.
قال ابن جريج: قلت لعطاء: ما معنى: {لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} ؟ قال: أمةُ محمد شهداءُ على من ترك الحق من الناس أجمعين، حين جاءه الهدى والإيمان، فذكر الله في كتابه {وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} يشهد على أنهم آمنوا بالحق حين جاءهم، وقبلوا، وصدّقوا به.
وقوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ} اختلف أهل المعاني في هذا، فقال بعضهم: إن الله تعالى تعبّد نبيه والمسلمين بالصلاة إلى بيت المقدس حيث كانوا بمكة في أول الأمر مخالفةً للمشركين؛ ليتبين إيمان المؤمن ونفاق المنافق، إذ كانت العرب تحب الكعبة، وترغب في الصلاة إليها، ولا يعجبهم الصلاة إلى بيت المقدس، فتعبّدهم الله بما يشقّ عليهم، امتحانًا واختبارًا؛ ليظهر إيمان المؤمن عند صبره على ما يحبّ، ويتبين نفاق المنافق عند خلافه ربَّه في إيثاره هواه، فكأنه قال: تعبدناكم بالصلاة إلى بيت المقدس برهةً من الدهر؛ لنمتحنكم بذلك، ونختبركم.
وعلى هذا التأويل خبر {جَعَلْنَا} محذوف، معناه: وما جعلنا القبلة التي كنت عليها قبلة إلا لهذا، فحذف المفعول الثاني؛ لإحاطة العلم، ويقال: إن {جَعَلْنَا} هاهنا لا يقتضي مفعولًا ثانيًا؛ لأنه في تأويل نصبنا.
وقال بعضهم: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما هاجر إلى المدينة أمر بالتوجه إلى الكعبة مخالفة لليهود وامتحانًا للمؤمنين، وعلى هذا التأويل تقدير الآية: {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا} فيكون من باب حذف المضاف، ويحتمل أن يكون التقدير: وما جعلنا القبلة التي كنت عليها منسوخة، فأضمر المفعول الثاني، كما ذكرنا في الوجه الأول.