ظَاهِرٌ لَا تَطْلُبُ الْبَلَاغَةُ غَيْرَهُ ; لِأَنَّ الْوَحْدَةَ تُذَكِّرُ أُولَئِكَ الْكَافِرِينَ الْكَاتِمِينَ لِلْحَقِّ بِأَنَّهُمْ لَا يَجِدُونَ مَلْجَأً غَيْرَ اللهِ يَقِيهِمْ عُقُوبَتَهُ وَلَعْنَتَهُ. وَذِكْرُ الرَّحْمَةِ بَعْدَهَا يُرَغِّبُهُمْ فِي التَّوْبَةِ وَيَحُولُ دُونَ يَأْسِهِمْ مِنْ فَضْلِ اللهِ بَعْدَ إِيئَاسِهِمْ مِمَّنِ اتَّخَذُوهُمْ شُفَعَاءَ وَوُسَطَاءَ عِنْدَهُ، فَيُطَابِقُ ذَلِكَ قَوْلَهُ تَعَالَى فِي الْآيَةِ الَّتِي ذَكَرَ فِيهَا الْكِتْمَانَ: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا) (2: 160) إِلَخْ.
(إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) إِلَخْ، هَذِهِ آيَةٌ قُرْآنِيَّةٌ تَشْرَحُ لَنَا بَعْضَ الْآيَاتِ الْكَوْنِيَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى وَحْدَانِيَّةِ اللهِ تَعَالَى وَرَحْمَتِهِ الْوَاسِعَةِ، إِثْبَاتًا لِمَا وَرَدَ فِي الْآيَةِ قَبْلَهَا مِنْ هَذَيْنِ الْوَصْفَيْنِ لَهُ تَعَالَى، عَلَى طَرِيقَةِ الْقُرْآنِ فِي قَرْنِ الْمَسَائِلِ الِاعْتِقَادِيَّةِ بِدَلَائِلِهَا وَبَرَاهِينِهَا كَمَا أَلْمَعْنَا. وَهَذِهِ الْآيَاتُ أَجْنَاسٌ (الْأَوَّلُ وَالثَّانِي) مِنْهَا: خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، فَفِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ كَثِيرَةُ الْأَنْوَاعِ يُدْهِشُ الْمُتَأَمِّلِينَ بَعْضُ ظَوَاهِرِهَا، فَكَيْفَ حَالُ مَنِ اطَّلَعَ عَلَى مَا اكْتَشَفَ الْعُلَمَاءُ مِنْ عَجَائِبِهَا، الدَّالُّ عَلَى أَنَّ مَا لَمْ يَعْرِفُوهُ أَعْظَمُ مِمَّا عَرَفُوهُ مِنْهَا!
تَتَأَلَّفُ هَذِهِ الْأَجْرَامُ السَّمَاوِيَّةُ مِنْ طَوَائِفَ يَبْعُدُ بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ بِمَا يُقَدَّرُ