كَانَ الْمُؤْمِنُونَ فِي قِلَّةٍ مِنَ الْعَدَدِ وَالْعُدَدِ، وَكَانَتِ الْأُمَمُ كُلُّهَا مُنَاوِئَةً لَهُمْ، فَالْمُشْرِكُونَ أَخْرَجُوهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَمَا فَتِئُوا يُغِيرُونَ عَلَيْهِمْ، وَيَصُدُّونَ النَّاسَ عَنْهُمْ، ثُمَّ كَانُوا يُلَاقُونَ فِي مُهَاجِرِهِمْ مَا يُلَاقُونَ مِنْ عَدَاوَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَمَكْرِهِمْ، وَمِنْ مُرَاوَغَةِ الْمُنَافِقِينَ وَكَيْدِهِمْ، فَأَمَرَهُمُ اللهُ تَعَالَى أَنْ يَسْتَعِينُوا فِي مُقَاوَمَةِ ذَلِكَ كُلِّهِ وَفِي
سَائِرِ مَا يَعْرِضُ لَهُمْ مِنَ الْمَصَائِبِ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ. أَمَّا الصَّبْرُ فَقَدْ ذُكِرَ فِي الْقُرْآنِ سَبْعِينَ مَرَّةً وَلَمْ تُذْكَرْ فَضِيلَةٌ أُخْرَى فِيهِ بِهَذَا الْمِقْدَارِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى عِظَمِ أَمْرِهِ، وَقَدْ جُعِلَ التَّوَاصِي بِهِ فِي سُورَةِ الْعَصْرِ مَقْرُونًا بِالتَّوَاصِي بِالْحَقِّ ; إِذْ لَا بُدَّ لِلدَّاعِي إِلَى الْحَقِّ مِنْهُ، وَالْمُرَادُ بِالصَّبْرِ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ كُلِّهَا مَلَكَةُ الثَّبَاتِ وَالِاحْتِمَالِ الَّتِي تُهَوِّنُ عَلَى صَاحِبِهَا كُلَّ مَا يُلَاقِيهِ فِي سَبِيلِ تَأْيِيدِ الْحَقِّ وَنَصْرِ الْفَضِيلَةِ.