قال الله - جلَّ جلالُه -:(وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ
إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ).
وكذلك قوله جل قوله:(مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ
إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ).
والنصوص على هذا كثيرة تُعلم بالحضور منه والمشاهدة، سبحانه وله الحمد،
خلق الخليقة فلا تلحقه أوصافها، وأوجد الأعداد فلا تحصره معانيها، فهو في كل
مكان ومع كل شيء بوصفه لا يعدو عليه خلقه، ولا يحيله عما لم يزل عليه عبده،
ولا يكون هكذا غيره.
(فصل)
أنفع الأذكار ذكر القلب، ثم أنفع ذكر القلب ما آثاره خاص العلم وعَليّ
المعرفة، وأفضل ذلك وأجزله عائدة ما نهى الذاكر عن الآثام والفواحش، ظاهر
ذلك وباطنه وأعلاه ما بعث على طاعة المذكور، والعمل بما يرضيه، وأفضل ذلك
ما صحبته مداومة المشاهدة ومراقبة الحضور بالتقوى، وذلك هو الذكر المرضي،
وهو الذكر الفكر، وهو عليُّه؛ وخاصُّه.
ثم أفضل ذكر المشاهدة والحضور ما لزمه الأنس بالمذكور، وآثار الشوق
والتوق والحب، وإذا بلغ الذكر هذا المقام وصحبته هذه الأوصاف آثار الحب
والتوق إلى المذكور ذاك؛ لأنه لا يعلمه أحد فيذكره بحضور من قلبه ومشاهدة إلا
علم منه ما يوجب له الحب والتوق.
وبتحصيل هذا المقام يحصل في ضمنه الشكر، وانتفى الفكر لا محالة، وفي
هذا يقول - جلَّ جلالُه -:"أنا جليس من ذكرني، وحيثما طلبني عبدي وجدني".
ثم هو لحقيقة صدق قيله جليس من ذكره بجزاء مقامه على قدر إحسانه في
ذكره، وهذا نص في وجود الله - جلَّ جلالُه - عند ذكر الذاكر له؛ لجزاء الذكر وثواب العمل.
قال الله عز من قائل: (وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ) .
قوله جل من قائل: (اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ)
فالصبر لا يكون إلا بالمجاهدة، اقتضى ذكر الصبر معنى الجهاد، لفظ
الجهاد مأخوذ من الجهد، فوصل القول به، وأخذ في الإخبار عمَّن باع من الله حياته
الدنيا، وجاد له بنفسه وماله.