وصَّى أيضًا هذه الأمة بذلك، فقال جل قوله: (اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ(153) .
كذلك أيضًا وصَّى - جلَّ جلالُه - من قبلنا، فقال عز من قائل: (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ) وهو كثير لمن بحث عنه،
وهو الدواء الأعظم والوزن الأعظم.
فصل في الذكر
فاعلم أيها الطالب - رضي الله عنا وعنك - رضوان الله الأكبر هو أصل
العبادات كلها، وإنما شرعت الشرائع وفرضت الفرائض، وحض على النوافل
وفرض الجهاد لإقامة الذكر وترتيبه ومراتبه.
قال الله - جلَّ جلالُه -: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي) وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا
لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (45) . أي: لعلكم
تعقلون"أي: لعلكم تظفرون بنهاية البغية وإتمام النعمة."
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"الأَعْمَالُ بالنِّيَّاتِ وإِنَّمَا [لِكُلِّ امْرِئٍ] ما نَوَى"والنية: خالص
الذكر، لأنها ذكر القلب، وتوجيهه العمل لله جل ذكره مخلصًا، والنية: من انتويت،
وهو اسم لحقيقة العبدانية الشيء حقيقه.
وقال الشاعر:
ويقلن شيب قد علاك ... وقد كبرت فقلت إنَّه
وتتبع هذا يفضى إلى عليِّ العلم ورفيع الذكر، رجع الكلام: فمعنى انتويت:
افتعلت حقيقة الذكر من حقيقة ذاتي وقرارة نفي.
والذكر ذكران كما تقدم من الكلام في التقوى والعلم وجميع معاني العبد،
فذكر أدنى: وهو ذكر العموم من المؤمنين، وذكر أعلى: وهو خاص للمخصوص
من عباد الله جلَّ ذكره، وهو الذكر الكبير، ثم جملة الذكر توجد في مَوطين، ذكر
عند الطاعة، وذكر عند المعصية.
فالأول: عنه تكون المحبة، ومنه منبعثها.
والثاني: تكون عنه الخشية، وهو ينبوعها.
قال الله عز من قائل: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ) أي: جنة
لغلبة هواه وكسر شهوته، وجنة لطاعة ربه، وقد جاء الوعد بالجزاء على الذكر مما
هو خارج عن المعقول حتى ينحصر المعتقد فيه إلى التسليم لوعد الله جلَّ ذكره،