المعرفة عند البعض أخصُّ من العلم؛ لأنَّها عِلمٌ بعَيْن الشيء مُفَصَّلاً عما سواه، وكل معرفة علم، وليس كل علم معرفة، وذلك أنَّ لفظ المعرفة يُفيد تمييز المعلوم من غيره، ولفظ العلم لا يفيد ذلك [11] ، والمعرفة تقال فيما يُتَوصل إليه بتفكر وتدبر، وتستعمل فيما تدرك آثاره، ولا يدرك ذاته، تقول: عرفت الله، وعرفت الدار، والعلم يستعمل فيما يدرك ذاته [12] ، وحال الإبهام تقول: عرفت زيدًا، بعد أن لم تكن، ولا تقول: علمت زيدًا.
وقيل: العلم يكون بالاكتساب، فخصَّ به الإنسان، والمعرفة بالجبلَّة، فهي إدراك جُزئي يَحصل بواسطة؛ لذلك يقال: عرفت الله، ولا يقال: علمت الله، فالعلم لما يدرك ذاته مع الإحاطة به [13] .
وقيل: العلم أخصُّ من المعرفة؛ لأنَّها قبله؛ إذ تكون مع كل علم معرفة، وليس مع كل معرفة علم، إلى جانب تضمنها للخبرة العملية، فالمعرفة هي ثَمرة التقابُل والاتصال بين الذَّات المدركة والموضوع المدرك، وتتميز من باقي معطيات الشعور، من حيث إنَّها تقوم في آنٍ واحد على التقابل والاتحاد الوثيق بين هذين الطرفين.
فالمعرفة تقال على استثبات المحصول المُدْرَك، خصوصًا إذا تكرر إدراكه، فإنَّ المُدْرِك إذا أدرك شيئًا، فحفظ له محصولاً في نفسه، ثم أدركه ثانيًا، وأدرك مع إدراكه له أنَّه ذلك المُدْرَك الأول، قيل لذلك الإدراك الثاني بهذا الشرط: (معرِفة) .
والمعرفة عند جمهور الناس أصلها قد يقع ضروريًّا فطريًّا، وقد يَحتاج إلى النظر والاستدلال، وقال البعض: إنَّ المعرفة نتيجة العقل:"العقل غريزة، والمعرفة عنه تكون" [14] .
والبعض يرى أنَّ المعرفة لا تكون إلا مكتسبة، فلا يَجوز أن تقع بالضَّرورة لارتفاع الكلفة [15] .
العلم يقال لإدراك الكلي أو المركب، والمعرفة تقال لإدراك الجزئي أو البسيط، فمتعلق العلم في اصطلاح المنطق هو المركب المتعدد، كذلك عند أهل اللغة هو المفعولان.
ومتعلق المعرفة هو البسيط الواحد، كذلك عند أهل اللغة وهو المفعول الواحد، وإن اختلف وجه التعدد والوحدة بينهم بحسب اللَّفظ والمعنى [16] .