الوجه الثاني: أن تكون اللام للتعليل ، على أصلها . والمعنى: جعلناكم أمة خياراً لتكونوا شهداء على الناس ، أي: رقباء قُوَّاماً عليهم بدعائهم إلى الحق ، وإرشادهم إلى الهدى وإنذارهم مما هم فيه من الزيغ والضلال ، كما كان الرسول شهيداً عليكم بقيامه عليكم بما بلغكم وأمركم ونهاكم وحذركم وأنذركم . فتكون الآية نظير آية: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [آل عِمْرَان: 110] ، وربما آثر هذا المعنى من قال: خير ما فسِّر القرآن بالقرآن ، لتماثل الآيتين بادئ بدء ؛ فإن الوسط بمعنى الخيار . وقد صرح به فِي قوله: {خَيْرَ أُمَّةٍ} وإلى هذا المعنى يشير قول مجاهد فِي الآية: لتكونوا شهداء لمحمد عليه السلام على الأمم اليهود والنصارى والمجوس: أي: شهداء على حقية رسالته ، وذلك بالدعوة إليها ، والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر الذي هو قطب الدعوة وروحها .
وبعد كتابة هذا رأيت السمرقنديّ فِي تفسيره نقل خلاصة ما قلناه ؛ وعبارته: وللآية تأويل آخر: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} أي: عدولاً: {لتكونوا شهداء على الناس} الخ يقول: إنكم حجة على جميع من خالفكم ، ورسول الله عليه السلام حجة عليكم . والشهادة فِي اللغة هو البيان ولهذا سمي الشاهد بينة ؛ لأنه يبيّن حق المدعي ؛ يعني إنكم تبينون لمن بعدكم ، والنبيّ عليه السلام يبين لكم . انتهى .