وَتَأَمَّلْ قِصَّةَ نَسْخِ الْقِبْلَةِ لَمَّا كَانَتْ شَدِيدَةً عَلَى النُّفُوسِ جِدًّا كَيْفَ وَطَّأَ سُبْحَانَهُ قَبْلَهَا عِدَّةَ مُوَطَّئَاتٍ: مِنْهَا: ذِكْرُ النَّسْخِ، وَمِنْهَا: أَنَّهُ يَأْتِي بِخَيْرٍ مِنْ الْمَنْسُوخِ أَوْ مِثْلِهِ، وَمِنْهَا: أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَأَنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ؛ فَعُمُومُ قُدْرَتِهِ وَعِلْمِهِ صَالِحٌ لِهَذَا الْأَمْرِ الثَّانِي كَمَا كَانَ صَالِحًا لِلْأَوَّلِ.
وَمِنْهَا: تَحْذِيرُهُمْ الِاعْتِرَاضَ عَلَى رَسُولِهِ كَمَا اعْتَرَضَ مَنْ قَبْلَهُمْ عَلَى مُوسَى، بَلْ أَمَرَهُمْ بِالتَّسْلِيمِ وَالِانْقِيَادِ.
وَمِنْهَا: تَحْذِيرُهُمْ بِالْإِصْغَاءِ إلَى الْيَهُودِ، وَأَنْ لَا تَسْتَخِفَّهُمْ شُبَهُهُمْ، فَإِنَّهُمْ يَوَدُّونَ أَنْ يَرُدُّوهُمْ كُفَّارًا مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ الْحَقُّ.
وَمِنْهَا: إخْبَارُهُ أَنَّ دُخُولَ الْجَنَّةِ لَيْسَ بِالتَّهَوُّدِ وَلَا بِالتَّنَصُّرِ، وَإِنَّمَا هُوَ بِإِسْلَامِ الْوَجْهِ وَالْقَصْدِ وَالْعَمَلِ وَالنِّيَّةِ لِلَّهِ مَعَ مُتَابَعَةِ أَمْرِهِ.
وَمِنْهَا: إخْبَارُهُ سُبْحَانَهُ عَنْ سَعَتِهِ، وَأَنَّهُ حَيْثُ وَلَّى الْمُصَلِّي وَجْهَهُ فَثَمَّ وَجْهُهُ تَعَالَى، فَإِنَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ، فَذَكَرَ الْإِحَاطَتَيْنِ الذَّاتِيَّةَ وَالْعِلْمِيَّةَ، فَلَا يَتَوَهَّمُونَ أَنَّهُمْ فِي الْقِبْلَةِ الْأُولَى لَمْ يَكُونُوا مُسْتَقْبِلِينَ وَجْهَهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَلَا فِي الثَّانِيَةِ، بَلْ حَيْثُمَا تَوَجَّهُوا فَثَمَّ وَجْهُهُ تَعَالَى.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى حَذَّرَ نَبِيَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ اتِّبَاعِ أَهْوَاءِ الْكُفَّارِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَغَيْرِهِمْ، بَلْ أَمَرَ أَنْ يَتْبَعَ هُوَ وَأُمَّتُهُ مَا أُوحِيَ إلَيْهِ فَيَسْتَقْبِلُونَهُ بِقُلُوبِهِمْ وَحْدَهُ.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ ذَكَرَ عَظَمَةَ بَيْتِهِ الْحَرَامِ، وَعَظَمَةَ بَانِيهِ وَمِلَّتِهِ، وَسَفَّهَ مَنْ يَرْغَبُ عَنْهَا، وَأَمَرَ بِاتِّبَاعِهَا، فَنَوَّهَ بِالْبَيْتِ وَبَانِيهِ وَمِلَّتِهِ، وَكُلُّ هَذَا تَوْطِئَةٌ بَيْنَ يَدَيْ التَّحْوِيلِ، مَعَ مَا فِي ضِمْنِهِ مِنْ الْمَقَاصِدِ الْجَلِيلَةِ وَالْمَطَالِبِ السَّنِيَّةِ.