[لطيفة]
أَخْبَرَ تعالى أَنَّهُ جَعَلَهُمْ عُدُولًا خِيَارًا، وَنَوَّهَ بِذِكْرِهِمْ قَبْلَ أَنْ يُوجِدَهُمْ، لِمَا سَبَقَ فِي عِلْمِهِ مِنَ اتِّخَاذِهِ لَهُمْ شُهَدَاءً يَشْهَدُونَ عَلَى الْأُمَمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَمَنْ لَمْ يَقُمْ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ - عِلْمًا وَعَمَلًا، وَمَعْرِفَةً وَإِقْرَارًا، وَدَعْوَةً وَتَعْلِيمًا، وَإِرْشَادًا - فَلَيْسَ مِنْ شُهَدَاءِ اللَّهِ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.
{قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (144) }
[تَمْهِيد الْمُفْتِي لِلْحُكْمِ الْمُسْتَغْرَبِ]
[مِنْ أَدَبِ الْمُفْتِي أَنْ يُمَهِّدَ لِلْحُكْمِ الْمُسْتَغْرَبِ] الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: (إذَا كَانَ الْحُكْمُ مُسْتَغْرَبًا جِدًّا مِمَّا لَا تَأْلَفُهُ النُّفُوسُ وَإِنَّمَا أَلِفَتْ خِلَافَهُ فَيَنْبَغِي لِلْمُفْتِي أَنْ يُوَطِّئَ قَبْلَهُ مَا يَكُونُ مُؤْذِنًا بِهِ) كَالدَّلِيلِ عَلَيْهِ وَالْمُقَدِّمَةِ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَتَأَمَّلْ ذِكْرَهُ سُبْحَانَهُ قِصَّةَ زَكَرِيَّا وَإِخْرَاجَ الْوَلَدِ مِنْهُ بَعْدَ انْصِرَامِ عَصْرِ الشَّبِيبَةِ وَبُلُوغِهِ السِّنَّ الَّذِي لَا يُولَدُ فِيهِ لِمِثْلِهِ فِي الْعَادَةِ، فَذَكَرَ قِصَّتَهُ مُقَدَّمَةً بَيْنَ يَدَيْ قِصَّةِ الْمَسِيحِ وَوِلَادَتِهِ مِنْ غَيْرِ أَبٍ؛ فَإِنَّ النُّفُوسَ لَمَّا آنَسَتْ بِوَلَدٍ مِنْ بَيْنِ شَيْخَيْنِ كَبِيرِينَ لَا يُولَدُ لَهُمَا عَادَةً سَهُلَ عَلَيْهَا التَّصْدِيقُ بِوِلَادَةِ وَلَدٍ مِنْ غَيْرِ أَبٍ، وَكَذَلِكَ ذَكَرَ سُبْحَانَهُ قَبْلَ قِصَّةِ الْمَسِيحِ مُوَافَاةَ مَرْيَمَ رِزْقَهَا فِي غَيْرِ وَقْتِهِ وَغَيْرِ إبَّانِهِ.
وَهَذَا الَّذِي شَجَّعَ نَفْسَ زَكَرِيَّا وَحَرَّكَهَا لِطَلَبِ الْوَلَدِ وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ إبَّانِهِ.