وفي"الموطأ"قال مالك في قول الله عز وجل: {والذين يظّهّرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا} قال سمعت: أن تفسير ذلك أن يُظاهر الرجل من امرأته ثم يُجمع على إصابتها وإمساكها فإن أجمع على ذلك فقد وجبت عليه الكفارة وإن طلقها ولم يجمع بعد تظاهره منها على إمساكها فلا كفارة عليه.
وأقوال أبي حنيفة والشافعي والليثثِ تحوم حول هذا المعنى على اختلاف في التعبير لا نطيل به.
وعليه فقد استعمل فعل {يعودون} في إرادة العودة كما استعمل فعل مستعمل في معنى إرادة العود والعزم عليه لا على العود بالفعل لأنه لو كان عوداً بالفعل لم يكن لاشتراط التفكير قبل المسِيس معنى ، فانتظم من هذا معنى: ثم يريدون العود إلى ما حرموه على أنفسهم فعليهم كفارة قبل أن يعودوا إليه على نحو قوله تعالى: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم} [المائدة: 6] أي إذا أردتم القيام ، وقوله: {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم} [النحل: 98] ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم"إذا سَألت فاسأل الله وإذا استعَنْت فاستعنْ بالله".
وتلك هي قضية سبب النزول لأن المرأة ما جاءت مجادلة إلا لأنها علمت أن زوجها المظاهر منها لم يرد فراقها كما يدل عليه الحديث المروي في ذلك في كتاب أبي داود عن خويلة بنت مالك بن ثعلبة قالت: ظاهر منّي زوجي أوس بن الصامت فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم أشكو إليه ورسول الله يجادلني ويقول: اتقي الله.
فإنه ابن عمك؟ فما برحتُ حتّى نزل القرآن.
فقال:"يعتق رقبة".
قالت: لا يجد.
قال:"فيصوم شهرين متتابعين".
قالت: إنه شيخ كبير ما بِه من صيام.
قال:"فليطعم ستين مسكيناً".
قالت: ما عنده شيء يتصدق به.
فأُتي ساعتئذٍ بعَرَق من تمر قلت: يا رسول الله فإني أعينه بعرَق آخر.
قال:"قد أحسنتتِ اذهبي فأَطعمي بهما عنه ستّين مسكيناً وارجعي إلى ابننِ عمّك".