ثم بيّن سبحانه لهم أمهاتهم على الحقيقة فقال: {إِنْ أمهاتهم إِلاَّ اللائى وَلَدْنَهُمْ} أي: ما أمهاتهم إلاّ النساء اللائي ولدنهم ، ثم زاد سبحانه في توبيخهم وتقريعهم ، فقال: {وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مّنَ القول وَزُوراً} أي: وإن المظاهرين ليقولون بقولهم هذا منكراً من القول ، أي: فظيعاً من القول ينكره الشرع ، والزور: الكذب ، وانتصاب {منكراً} ، و {زوراً} على أنهما صفة لمصدر محذوف ، أي: قولاً منكراً وزوراً {وَإِنَّ الله لَعَفُوٌّ غَفُورٌ} أي: بليغ العفو والمغفرة إذ جعل الكفارة عليهم مخلصة لهم عن هذا القول المنكر.
{والذين يظاهرون مِن نّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ} لما ذكر سبحانه الظهار إجمالاً ووبخ فاعليه شرع في تفصيل أحكامه ، والمعنى: والذين يقولون ذلك القول المنكر الزور ، ثم يعودون لما قالوا ، أي: إلى ما قالوا بالتدارك والتلافي ، كما في قوله: {أَن تَعُودُواْ لِمِثْلِهِ} [النور: 17] أي: إلى مثله ، قال الأخفش: {لِمَا قَالُواْ} وإلى ما قالوا يتعاقبان.
قال: {وَقَالُواْ الحمد لِلَّهِ الذي هَدَانَا لهذا} [الأعراف: 43] وقال: {فاهدوهم إلى صراط الجحيم} [الصافات: 23] وقال: {بِأَنَّ رَبَّكَ أوحى لَهَا} [الزلزلة: 5] وقال: {وَأُوحِىَ إلى نُوحٍ} [هود: 36] وقال الفرّاء: اللام بمعنى عن ، والمعنى: ثم يرجعون عما قالوا ، ويريدون الوطء.
وقال الزجاج: المعنى: ثم يعودون إلى إرادة الجماع من أجل ما قالوا.
قال الأخفش أيضاً: الآية فيها تقديم وتأخير ، والمعنى: والذين يظهرون من نسائهم ، ثم يعودون لما كانوا عليه من الجماع {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} لما قالوا ، أي: فعليهم تحرير رقبة من أجل ما قالوا.
فالجار في قوله: {لِمَا قَالُواْ} متعلق بالمحذوف الذي هو خبر المبتدأ ، وهو فعليهم.