وَنُكْتَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْقَوْلَ فِي مَعْنَى الْمَقُولِ، وَالْمَقُولُ هُوَ التَّحْرِيمُ وَالْعَوْدُ لَهُ هُوَ الْعَوْدُ إِلَيْهِ، وَهُوَ اسْتِبَاحَتُهُ عَائِدًا إِلَيْهِ بَعْدَ تَحْرِيمِهِ، وَهَذَا جَارٍ عَلَى قَوَاعِدِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ وَاسْتِعْمَالِهَا، وَهَذَا الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، كَمَا قَالَ قتادة وطاووس والحسن وَالزُّهْرِيُّ ومالك وَغَيْرُهُمْ، وَلَا يُعْرَفُ عَنْ أَحَدٍ مِنَ السَّلَفِ أَنَّهُ فَسَّرَ الْآيَةَ بِإِعَادَةِ اللَّفْظِ ألْبَتَّةَ لَا مِنَ الصَّحَابَةِ، وَلَا مِنَ التَّابِعِينَ، وَلَا مَنْ بَعْدَهُمْ، وَهَاهُنَا أَمْرٌ خَفِيَ عَلَى مَنْ جَعَلَهُ إِعَادَةَ اللَّفْظِ، وَهُوَ أَنَّ الْعَوْدَ إِلَى الْفِعْلِ يَسْتَلْزِمُ مُفَارَقَةَ الْحَالِ الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا الْآنَ، وَعَوْدَهُ إِلَى الْحَالِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا أَوَّلًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا} [الْإِسْرَاءِ: 8] أَلَا تَرَى أَنَّ عَوْدَهُمْ مُفَارَقَةُ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْإِحْسَانِ وَعَوْدُهُمْ إِلَى الْإِسَاءَةِ وَكَقَوْلِ الشَّاعِرِ
وَإِنْ عَادَ لِلْإِحْسَانِ فَالْعَوْدُ أَحْمَدُ
وَالْحَالُ الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا الْآنَ التَّحْرِيمُ بِالظِّهَارِ وَالَّتِي كَانَ عَلَيْهَا إِبَاحَةُ الْوَطْءِ بِالنِّكَاحِ الْمُوجِبِ لِلْحِلَّ، فَعَوْدُ الْمُظَاهِرِ عَوْدٌ إِلَى حِلٍّ كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ الظِّهَارِ، وَذَلِكَ هُوَ الْمُوجِبُ لِلْكَفَّارَةِ فَتَأَمَّلْهُ، فَالْعَوْدُ يَقْتَضِي أَمْرًا يَعُودُ إِلَيْهِ بَعْدَ مُفَارَقَتِهِ، وَظَهَرَ سِرُّ الْفَرْقِ بَيْنَ الْعَوْدِ فِي الْهِبَةِ وَبَيْنَ الْعَوْدِ لِمَا قَالَ الْمُظَاهِرُ، فَإِنَّ الْهِبَةَ بِمَعْنَى الْمَوْهُوبِ وَهُوَ عَيْنٌ يَتَضَمَّنُ عَوْدُهُ فِيهِ إِدْخَالَهُ فِي مِلْكِهِ وَتَصَرُّفَهُ فِيهِ كَمَا كَانَ أَوَّلًا بِخِلَافِ الْمُظَاهِرِ فَإِنَّهُ بِالتَّحْرِيمِ قَدْ خَرَجَ عَنِ الزَّوْجِيَّةِ، وَبِالْعَوْدِ قَدْ طَلَبَ الرُّجُوعَ إِلَى الْحَالِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا مَعَهَا قَبْلَ التَّحْرِيمِ، فَكَانَ الْأَلْيَقُ أَنْ يُقَالَ عَادَ لِكَذَا يَعْنِي: عَادَ إِلَيْهِ.