أحدها: أن الظهار كان طلاقا في الجاهلية فجعله الله في الإسلام تحريما تزيله الكفارة. وهذا متفق عليه بين أهل العلم. ولو كان خبرا لم يوجب التحريم. فإنه إن كان صدقا فظاهر. وإن كان كذبا: فأبعد له من أن يترتب عليه التحريم.
والثاني: أنه لفظ الظهار يوجب حكمه الشرعي بنفسه، وهو التحريم.
وهذا حقيقة الإنشاء، بخلاف الخبر. فإنه لا يوجب حكمه بنفسه. فسلب كونه إنشاء مع ثبوت حقيقة الإنشاء فيه: جمع بين النقيضين.
والثالث: أن إفادة قوله: أنت علي كظهر أمي: للتحريم، كإفادة قوله: أنت حرة، وأنت طالق. وبعتك ورهنتك، وتزوجتك، ونحوها:
لأحكامها. فكيف يقولون: هذه إنشاءات دون الظهار؟ وما الفرق؟
قيل: أما الفقهاء فيقولون: الظهار إنشاء. ونازعهم بعض المتأخرين في ذلك. وقال: الصواب أنه إخبار.
وأجاب عما احتجوا به من كونه إنشاء.
قال: أما قولهم: كان طلاقا في الجاهلية: فهذا لا يقتضي أنهم كانوا يثبتون به الطلاق، بل يقتضي أنهم كانوا يزيلون به العصمة عند النطق به.
فجاز أن يكون زوالها لكونه إنشاء، كما زعمتم، أو لكونه كذبا، وجرت عادتهم أن من أخبر بهذا الكذب زالت عصمة نكاحه. وهذا كما التزموا تحريم الناقة إذا جاءت بعشرة من الولد. ونحو ذلك.
قال: وأما قولكم: إنه يوجب التحريم المؤقت. وهذا حقيقة الإنشاء، لا الإخبار - فلا نسلم أن ثم تحريما ألبتة - والذي دل عليه القرآن: وجوب تقديم الكفارة على الوطء، كتقديم الطهارة على الصلاة. فإذا قال الشارع:
لا تصل حتى تتطهر: ولا يدل ذلك على تحريم الصلاة عليه، بل ذلك نوع ترتيب.
سلمنا أن الظهار ترتب عليه تحريم، لكن التحريم عقب الشيء قد يكون لاقتضاء اللفظ له، ودلالته عليه. وهذا هو الإنشاء. وقد يكون عقوبة محضة، كترتيب حرمان الإرث على القتل.
وليس القتل إنشاء للتحريم، وكترتيب التعزير على الكذب، وإسقاط العدالة به. فهذا ترتيب بالوضع الشرعي، لا بدلالة اللفظ.
وحقيقة الإنشاء: أن يكون ذلك اللفظ وضع لذلك الحكم. ويدل عليه، كصيغ العقود. فسببية القول أعم من كونه سببا بالإنشاء أو بغيره.
فكل إنشاء سبب، وليس كل سبب إنشاء. فالسببية أعم. فلا يستدل بمطلقها على الإنشاء.
فإن الأعم لا يستلزم الأخص. فظهر الفرق بين ترتب التحريم على الطلاق، وترتبه على الظهار.
قال: وأما قولكم: إنه كالتكلم بالطلاق والعتاق والبيع ونحوها:
فقياس في الأسباب. فلا نقبله. ولو سلمناه نص القرآن يدفعه.