ومن الرابع قوله تعالى: {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ} أي قابلون له ومنقادون غير منكرين له ومنه على أصح القولين: {وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ} أي قابلون ومنقادون.
وقيل: عيون وجواسيس.
وليس بشيء فإن العيون والجواسيس إنما تكون بين الفئتين غير المختلطتين فيحتاج إلى الجواسيس والعيون وهذه الآية إنما هي في حق المنافقين وهم كانوا مختلطين بالصحابة بينهم فلم يكونوا محتاجين إلى عيون وجواسيس.
وإذا عرف هذا فسمْعُ الإدراك يتعدى بنفسه، وسمع القبول يتعدى باللام تارة وبـ (مِن) أخرى.
وهذا بحسب المعنى، فإذا كان السياق يقتضي القبول عدي بـ (مِن) وإذا كان يقتضي الانقياد عدي باللام.
وأما سمْع الإجابة فيتعدى باللام نحو سمع الله لمن حمده لتضمنه معنى استجاب له ولا حذف هناك، وإنما هو مضمن، وأما سمع الفهم فيتعدى بنفسه لأن مضمونه يتعدى بنفسه.
{الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلاَّ اللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (2) }
فإن قيل: فما تقولون في قول المظاهر: أنت عليّ كظهر أمي: هل هو إنشاء أو إخبار؟
فإن قلتم: إنشاء كان باطلا من وجوه:
أحدها: أن الإنشاء لا يقبل التصديق والتكذيب. والله سبحانه قد كذبهم هنا في ثلاثة مواضع.
أحدها: في قوله «ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ» فنفي ما أثبتوه. وهذا حقيقة التكذيب.
ومن طلق امرأته، لا يحسن أن يقال: ما هي مطلقته
والثاني: في قوله «إِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ» والإنشاء لا يكون منكرا من القول، وإنما يكون المنكر هو الخبر.
والثاني: أنه سماه «زورا» والزور: هو الكذب.
وإذا كذبهم الله دل على أن الظهار إخبار لا إنشاء.
الثالث: أن الظهار محرم، وليس جهة تحريمه إلّا كونه كذبا.
والدليل على تحريمه: خمسة أشياء.
أحدها: وصفه بالمنكر.
والثاني وصفه بالزور.
والثالث: أنه شرع فيه الكفارة.
ولو كان مباحا لم يكن فيه كفارة.
والرابع: أن الله قال: {ذلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ}
والوعظ إنما يكون في غير المباحات.
والخامس: قوله: {وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ}
والعفو والمغفرة: إنما يكونان عن الذنب.
وإن قلتم: هو إخبار، فهو باطل من وجوه.