قوله {فَإِنَّ الله هُوَ الغني} قرأ نافع وابن عامر"فإن الله الغنيُّ"بإسقاطِ"هو"وهو ساقطٌ في مصاحف المدينةِ والشام . والباقون بإثباتِه وهو ثابتٌ في مصاحفِهم ، فقد وافق كلٌّ مصحَفه . قال أبو علي: " مَنْ أثبت"هو"يَحْسُنْ أَنْ يكونَ فصلاً ، ولا يَحْسُنُ أن يكونَ ابتداءً ؛ لأنَّ الابتداءَ لا يَسُوغ حَذْفُه " يعني أنه تُرَجَّحُ فصليَّتُه بحذفه في القراءةِ الأخرى ، إذ لو كان مبتدأً لضَعُف حَذْفُه ، لا سيما إذا صَلَحَ ما بعده أَنْ يكونَ خبراً لِما قبله ، ألا تراك لو قلت:"إنَّ زيداً هو القائمُ"لم يَحْسُنْ حَذْفُ"هو"لصلاحيةِ"القائمُ"خبراً ل"إنَّ": وهذا كما قالوا في الصلة: إنه يُحْذَفُ العائدُ المرفوعُ بالابتداء بشروطٍ منها: أن لا يكونَ ما بعدَه صالحاً للصلة نحو:"جاء الذي هو في الدار"أو"هو قائم أبوه"لعدمِ الدلالةِ . إلاَّ أنَّ للمنازعِ أن ينازعَ أبا عليٍ ويقول: لا ألتزم تركيب إحدى القراءتين على الأخرى ، وكم مِنْ قراءتَيْنِ تغاير معناهما كقراءتَيْ: {والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ} [آل عمران: 36] و"وضَعَتْ"، إلاَّ أنَّ توافُقَ القراءتَيْن في معنىً واحدٍ أَوْلى ، هذا ما لا نزاعَ فيه .
لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (25)
قوله: {فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ} : جملةٌ حاليةٌ من"الحديد".