وقال تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاء عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ} قيل: إن الوقف على قوله:
{هُمُ الصِّدِّيقُونَ} ثم يبتدئ: {وَالشُّهَدَاء عِندَ رَبِّهِمْ} فيكون الكلام جملتين ، أخبر في إحداهما عن المؤمنين بالله ورسله أنهم هم الصديقون ، والإيمان التام يستلزم العلم والعمل ، والدعوة إلى الله بالتعليم والصبر عليه . وأخبر في الثانية أن الشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم ، ومرتبة الصديقين فوق مرتبة الشهداء ولهذا قدمهم عليهم في الآيتين ، هنا وفي سورة النساء ، وهكذا جاء ذكرهم مقدماً على الشهداء في كلام النبي في قوله: ( اثبت أحد فإنما عليك نبيّ وصديق وشهيد ) . ولهذا كان نعت الصديقية وصفاً لأفضل الخلق بعد الأنبياء والمرسلين أبي بكر الصديق ، ولو كان بعد النبوة درجة أفضل من الصديقية لكانت نعتاً له رضي الله عنه .
وقيل: إن الكلام جملة واحدة ، أخبر عن المؤمنين أنهم هم الصديقون والشهداء عند ربهم ، وعلى هذا فالشهداء هم الذين يستشهدهم الله على الناس يوم القيامة ، وهي قوله:
{لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ} [البقرة: 143] ، وهم المؤمنون ، فوصفهم بأنهم صديقون في الدنيا ، وشهداء على الناس يوم القيامة ، ويكون الشهداء وصفاً لجملة المؤمنين الصديقين .
وقيل: الشهداء هم الذين قتلوا في سبيل الله ، وعلى هذا القول يترجح أن يكون الكلام جملتين ، ويكون قوله:
{وَالشُّهَدَاء} مبتدأ خبره ما بعده ، لأنه ليس كل مؤمن صديق شهيداً في سبيل الله ، ويرجحه أيضاً أنه لو كان {الشُّهَدَاء} داخلاً في جملة الخبر ، لكان قوله: {لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ} داخلاً أيضاً في جملة الخبر عنهم ، ويكون قد أخبر عنهم بثلاثة أشياء:
أحدها: أنهم هم الصديقون .
والثاني: أنهم هم الشهداء .
والثالث: أن لهم أجرهم ونورهم .