قوله: {كِفْلَيْنِ} تثنية كفل، وهو في الأصل كساء يعقد على ظهر البعير، فيلقى مقدمه على الكاهل، ومؤخره على العجز، يحفظ الراكب ويمنعه من السقوط، والمراد هنا نصيبان عظيمان من الرحمة، يمنعان الشخص من العذاب، كما يمنع الكفل الراكب ويمنعه من السقوط، وهذان الكفلان لا يخصان من ذكر، بل ورد في الحديث:"ثلاثة لهم أجران: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، والعبد المملوك الذي أدى حق مواليه وحق الله، ورجل كانت عنده أمة يطؤها، فأدبها فأحسن تأديبها، وعلمها فأحسن تعليمها، ثم أعتقها فتزوجها فله أجران".
قوله: (لإيمانكم بالنبيين) أي فاستحقاقهم الكفلين ظاهر، لأنهم آمنوا بعيسى، واستمروا على دينه إلى أن بعث نبينا عليه الصلاة والسلام فآمنوا به، فكفل لإيمانهم بعيسى، وكفل لإيمانهم بنبينا.
قوله: {وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً} قيل: هو القرآن، وقيل: هو الهدى والسبيل الواضح في الدين.
قوله: {وَيَغْفِرْ لَكُمْ} أ ي ما سبق من ذنبوكم قبل الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم.
قوله: {لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ} سبب نزولها: أنه لما سمع من لم يؤمن من أهل الكتاب هذه الآية، وقوله تعالى:
{أُوْلَئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ} [القصص: 54] قالوا للمسلمين: أما من آمن منا بكتابكم، فله أجره مرتين، لإيمانه بكتابنا وكتابكم، ومن لم يؤمن من بكتابكم، فله أجر كأجركم، فبأي شيء فضلتم علينا؟ فنزلت هذه الآية رداً عليهم.
قوله: (أي أعلمكم بذلك) الخ، أشار بذلك إلى أن لا زائدة، واللام متعلقة بمحذوف، والمعنى: إن تتقوا وتؤمنوا برسله يؤتكم كفلين، ليعلم أهل الكتاب عدم قدرتهم على شيء من فضل الله، وأن الفضل بيد الله، قوله: (والمعنى أنهم) {لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّن فَضْلِ اللَّهِ} أي لا يملكونه ولا يتصرفون فيه، بحيث يجعلونه لأنفسهم ويمنعونه من غيرهم ومن جملة فضل الله الكفلان والمغفرة والنور.
قوله: (خلاف) بالرفع خبر لمحذوف، أي وعدم قدرتهم خلاف، أي مخالف لما في زعمهم.
قوله: {وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ} معطوف على قوله: {لاَّ يَقْدِرُونَ} .
قوله: {يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ} جملة مستأنفة أو خبر ثان. انتهى انتهى {حاشية الصاوي على تفسير الجلالين. 4/} ...