الأمة، وزادهم النور والمغفرة. ويؤيده ما رواه البخاري أن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - قال:"مَثَلُكُمْ وَمَثَلُ أَهْلِ الكِتَابَيْنِ، كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ أُجَرَاءَ، فَقَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ غُدْوَةَ إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ؟ فَعَمِلَتِ اليَهُودُ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إِلَى صَلاَةِ العَصْرِ عَلَى قِيرَاطٍ؟ فَعَمِلَتِ النَّصَارَى، ثُمَّ قَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنَ العَصْرِ إِلَى أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ عَلَى قِيرَاطَيْنِ؟ فَأَنْتُمْ هُمْ"، فَغَضِبَتِ اليَهُودُ، وَالنَّصَارَى، فَقَالُوا: مَا لَنَا أَكْثَرَ عَمَلًا، وَأَقَلَّ عَطَاءً؟ قَالَ: «هَلْ نَقَصْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ؟» قَالُوا: لاَ، قَالَ: «فَذَلِكَ، فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ» . وما قيل، إن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - أرسل جعفراً يدعو النجاشي إلى
الإيمان، فآمن به وأرسل سبعين رجلاً إلى رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، فجاؤوا ورسول اللَّه قد تهيأ لوقعة
أُحدٍ كلام لا أصل له. وجعفر إنما قدم مع من هاجِر إلى الحبشة، ورسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - في
محاصرة خيبر بعد أحد بثلاث سنين. رواه البخاري مكررًا في مواضع.
(لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ...(29)
"لا"مزيدة.
والمعنى على الأول: إنما وعدنا من آمن من أهل الكتاب كفلين من رحمتنا، ليعلم الذين لم
يؤمنوا منهم أن إيمانهم السابق لا يورّثهم شيئاً من فضل اللَّه قط. وعلى الثاني: اثبتوا أيها
المؤمنون على إيمانكم، واتقوا اللَّه يؤتكم ما وعد من آمن من أهل الكتاب من الأجر مرتين،
ويزيدكم النور والمغفرة. (وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ) وقيل:"لا"غير مزيدة.
والمعنى: إنما فعلنا كذا وكذا، لئلا يعتقد أهَل الكتاب أَن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين لا يقدرون
على حصر فضل اللَّه فيمن آمن بمحمد. وقوله: (وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) عطف على(ألَّا
يَعْلَمَ)ولا يخفى بُعدَه.
تمت بحمد اللَّه على العُبيد، ونسأله من فضله المزيد، والصلاة على الماجد الفريد، وآله
وصحبه الذين فلقوا بالحديد هامَ كل جبار عنيد. انتهى انتهى {غاية الأماني في تفسير الكلام الرباني} ...