فأخبر عن إكبار القوم دعوة الرسول وما كادوا يفعلون به ، ثم أخبر عما أمر به رسوله - صلى الله عليه وسلم - من القول في عدم مجير يجيره من الله إن لم يبلغ رسالاته ، ونسق عليه بـ (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا(23)
وحققه وأزال عنه كل لبسة بقوله: (حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا(24)
فأخبر أن
المتكاثرين المتظاهرين ، ومن كاد يتلبد من الجن والإنس على تكذيب
الرسول الداعي إلى الله ، وعلى رد ما جاء به يكونون - بعد رؤية
جهنم ، ودخولها وما أوعدوا من الخلود فيها - بلا أنصار ، ولا عدد
يتكثرون بهم كما تكثروا وتلبدوا على التظافر به والتظاهر عليه ، فلم
ينفعهم ذلك ، وأبى الله إلا إمضاء ما أرسل به رسوله ، فهذا واضح
لا إشكال فيه.
قال محمد بن علي - رحمه الله -: ولا أرى الشراة إلا أَعْذر
في مقالتهم منهم - وإن كانوا متساوين في باب الخطأ - لأن أولئك
خلطوا في أصل تسمية المذنب بالكافر ، وإعداد الذنب كفرًا ، ثم قادوا
مذهبهم في الخلود والشهادة على الكافر عندهم.
وهؤلاء لم يسموه كافرًا ، بل سموه فاسقا ، ثم أوجبوا باسم الفسوق
الخلود ، فجمعوا على أنفسهم الغلط من وجوه عدة.
فأحدها: أن الفسوق - في اللغة - التوثب ، ولذلك سميت
الفأرة فويسقة ، لأنها قفازة ، قال الله - تبارك وتعالى - في
إبليس -: (فَفَسَقَ عَنَ أَمرِ رَبِّه) ، أي وثب بين يدي أمره ،
وخلفه وراء ظهره ، فإذا كان الفسق هو التوثب على الأمر والنهي ،
وكان الأمر والنهي مشتملين على أشياء: منها ما يكون كفرًا مثل
دعوى الولد والزوجة والقول بالأنداد وأشباه ذلك ، ومنها ما يكون
ذنبًا مثل الزنا والسرقة وشرب الخمر وما ضاهاها ، لم يجز إلا أن يكون
الفاسق - في النوعين معًا - يسمى باسم واحد مسلوكًا به طريقًا