ويجوز أن يستعار الاقتباس لانتفاع أحد بضوء آخر لأنه يشبه الاقتباس في الانتفاع بالضوء بدون علاج فمعنى {نقتبس من نوركم} نُصِب منه ونلتحق به فنستبرْ به.
ويظهر من إسناد {قيل} بصيغة المجهول أن قائله غير المؤمنين المخاطبين وإنما هو من كلام الملائكة السائقين للمنافقين.
وتكون مقالة الملائكة للمنافقين تهكما إذ لا نور وراءهم وإنما أرادوا إطماعهم ثم تخييبهم بضرب السور بينهم وبين المؤمنين ، لأن الخيبة بعد الطمع أشد حسرة.
وهذا استهزاء كان جزاء على استهزائهم بالمؤمنين واستسخارهم بهم ، فهو من معنى قوله تعالى: {الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم} [التوبة: 79] .
و {وراءكم} : تأكيد لمعنى {ارجعوا} إذ الرجوع يستلزم الوراء ، وهذا كما يقال: رجع القهقرى.
ويجوز أن يكون ظرفاً لفعل {التمسوا نوراً} ، أي في المكان الذي خَلفكم.
وتقديمه على عامله للاهتمام فيكون فيه معنى الإِغراء بالتماس النور هناك وهو أشد في الإِطماع ، لأنه يوهم أن النور يُتناول من ذلك المكان الذي صدر منه المؤمنون ، وبذلك الإِيهام لا يكون الكلام كذباً لأنه من المعاريض لاسيما مع احتمال أن يكون {وراءكم} تأكيداً لمعنى {ارجعوا} .
وضمير {بينهم} عائد إلى المؤمنين والمنافقين.
وضرب السور: وضعه ، يقال: ضرب خيمة ، قال عبدة بن الطيِّب:
إن التي ضربتْ بيتاً مُهاجَرة...
بكوفةِ الجُند غالتْ ودَّها غُولُ
وضمن {ضُرب} في الآية معنى الحجْز فعدي بالباء ، أي ضرب بينهم سورٌ للحجز به بين المنافقين والمؤمنين ، خلقه الله ساعتئذٍ قطعاً لأطماعهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون ، فَحَق بذلك التمثيل الذي مثّل الله به حالهم في الدنيا بقوله: {مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون} في سورة البقرة (17) .