وقول ثالث: إن معنى {فَاسْتَوَى} أي: استوى القرآن في صدره . وفيه على هذا وجهان:
أحدهما: في صدر جبريل حين نزل به عليه السلام .
الثاني: في صدر محمد صلى الله عليه وسلم حين نزل عليه .
وقول رابع: إن معنى {فَاسْتَوَى} فاعتدل ، يعني محمداً في قوّته ، والثاني في رسالته ، ذكره الماورديّ .
وعلى الأول يكون تمام الكلام {ذُو مِرَّةٍ} ، وعلى الثاني {شَدِيدُ الْقُوَى}
وقول خامس: إن معناه فارتفع ، وفيه على هذا وجهان:
أحدهما: أنه جبريل ارتفع إلى مكانه ، على ما ذكرناه آنفاً .
الثاني: أنه النبيّ صلى الله عليه وسلم ارتفع بالمعراج .
وقول سادس:
{فَاسْتَوَى} يعني الله عز وجل ، أي: استوى على العرش ، على قول الحسين . انتهى .
هذا ما وقفنا عليه الآن من الأقوال في الآية ، وسيأتي في أول التنبيهات إيضاح ما اخترناه منها ، وإنما أخّرنا ذكره لارتباطه بالآيات الآتية .
{ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى} [8 - 9]
{ثم دنا} أي: ثم بعد استوائه اقترب جبريل من محمد صلى الله عليه وسلم {فتدلى} أي: إليه .
قال ابن جرير: هذا من المؤخر الذي معناه التقديم ، وإنما هو ثم تدلى فدنا ، ولكنه حسن تقديم قوله: {دنا} إذ كان الدنو يدل على التدلي ، والتدلي على الدنو . كما يقال: زارني فلان فأحسن إليّ فزارني .
وقال الشهاب: التدلي مجاز عن التعلق بالنبيّ بعد الدنو منه ، لا بمعنى التنزل من علوّ ، كما هو المشهور . أو هو دنوّ بحالة التعلق ، فلا قلب ولا تأويل بـ: أراد الدنو ، كما في"الإيضاح".
{فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى} أي: كان مسافة ما بينهما مقدار قوسين . أي: بقدرهما إذا مُدّا أو أقرب . أو الضمير لجبريل ، أي: كأنه قربه قدر ذلك .
قال الشهاب: وقاب قوسين وقيبه: ما بين الوتر ومقبضه ، والمراد به المقدار ، فإنه يقدّر بالقوس ، كالذراع .