ثم يضعنا الحق سبحانه أمام هذه المقارنة بين أهل الجنة وأهل النار، فيقول: {كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُواْ مَآءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ} [محمد: 15] يعني: أيهما أفضل، واحكم أنت وسنرتضي حكمك.
هذه هي الجنة أو مثل لها: أتستوي مع مقابلها وهو الخالد في النار؟ {وَسُقُواْ مَآءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ} [محمد: 15] فكما ذكر الماء أولاً في الجنة ذكره أيضاً أولاً في النار والعياذ بالله.
وكلمة {وَسُقُواْ .. } [محمد: 15] ولم يقُلْ شربوا لأن الشرب طواعية واختيار، إنما {وَسُقُواْ .. } [محمد: 15] يعني: رغماً عنهم ودون إرادتهم، مثل ما تعطي الولد الصغير الدواء فتسقيه له على كُرْه منه.
{مَآءً حَمِيماً .. } [محمد: 15] الماء معروف أنه يُشرب للارتواء ويُشرب بارداً، أما ماء جهنم والعياذ بالله فهو حميم يعني: تناهتْ حرارته، فكيف بهم وهم في النار ويريدون أنْ يُبردوا حرارة أجوافهم فيسقْون الحميم الذي يزيدهم حرارة فوق حرارة النار.
لذلك قال تعالى في آية أخرى:
{وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوجُوهَ .. } [الكهف: 29] .
ثم يبين أثر هذا الماء الحميم {فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ} [محمد: 15] وليتها قطعتْ وانتهت المسألة، إنما هم في عذاب مقيم دائم لا يُفتَّر عنهم.
{كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ .. } [النساء: 56] والأمعاء جمع معى بكسر الميم، وقد ورد في الحديث الشريف قول سيدنا رسول الله:"المؤمن يأكل في مِعىً واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء"يعني: المؤمن يأكل على قدر حاجته أو في أكله وفي طعامه بركة، أما الكافر فيأكل حتى تمتلئ بطنه. انتهى انتهى. {تفسير الشعراوي صـ} ...