عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَمَّا خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْغَارِ، أَرَاهُ قَالَ: الْتَفَتَ إِلَى مَكَّةَ، فَقَالَ: «أَنْتِ أَحَبُّ بِلَادِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ، وَأَنْتِ أَحَبُّ بِلَادِ اللَّهِ إِلَيَّ، فَلَوْ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ لَمْ يُخْرِجُونِي لَمْ أَخْرُجْ مِنْكِ، فَأَعْتَى الْأَعْدَاءِ مَنْ عَتَا عَلَى اللَّهِ فِي حَرَمِهِ، أَوْ قَتَلَ غَيْرَ قَاتِلِهِ، أَوْ قَتَلَ بِذُحُولِ الْجَاهِلِيَّةِ» ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ} "."
وَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: أَخْرَجَتْكَ، فَأَخْرَجَ الْخَبَرَ عَنِ الْقَرْيَةِ، فَلِذَلِكَ أَنَّثَ، ثُمَّ قَالَ: أَهْلَكْنَاهُمْ، لِأَنَّ الْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ أَخْرَجَتْكَ، مَا وَصَفْتُ مِنْ أَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ أَهْلُ الْقَرْيَةِ، فَأُخْرِجَ الْخَبَرُ مَرَّةً عَلَى اللَّفْظِ، وَمَرَّةً عَلَى الْمَعْنَى.
وَقَوْلُهُ: {فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ} فِيهِ وَجْهَانِ مِنَ التَّأْوِيلِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ نَصَبَ النَّاصِرُ بِالتَّبْرِئَةِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ نَاصِرٌ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ قَدْ تُضْمِرُ كَانَ أَحْيَانًا فِي مِثْلِ هَذَا وَالْآخَرُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: فَلَا نَاصِرَ لَهُمُ الْآنَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ يَنْصُرُهُمْ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (14) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {أَفَمَنْ كَانَ} عَلَى بُرْهَانٍ وَحُجَّةٍ وَبَيَانٍ {مِنْ} أَمْرِ {رَبِّهِ} وَالْعِلْمِ بِوَحْدَانِيَّتِهِ، فَهُوَ يَعْبُدُهُ عَلَى بَصِيرَةٍ مِنْهُ، بِأَنَّ لَهُ رَبًّا يُجَازِيهِ عَلَى طَاعَتِهِ إِيَّاهُ الْجَنَّةَ، وَعَلَى إِسَاءَتِهِ وَمَعْصِيَتِهِ إِيَّاهُ النَّارَ، {كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ}
يَقُولُ: كَمَنْ حَسَّنَ لَهُ الشَّيْطَانُ قَبِيحَ عَمَلِهِ وَسَيِّئَهُ، فَأَرَاهُ جَمِيلًا، فَهُوَ عَلَى الْعَمَلِ بِهِ مُقِيمٌ {وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ}
يَقُولُ: وَاتَّبَعُوا مَا دَعَتْهُمْ إِلَيْهِ أَنْفُسُهُمْ مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُمْ بِمَا يَعْمَلُونَ مِنْ ذَلِكَ بُرْهَانٌ وَحُجَّةٌ