ثم بيّن اللَّه تعالى سبب إضلال الكافرين وإصلاح وإسعاد المؤمنين، فقال:
ذلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْباطِلَ، وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ أي إن ذلك الجزاء المتقدم للفريقين بسبب اتباع الكافرين الباطل، من الشرك بالله، والعمل بمعاصيه واختياره على الحق، وبسبب اتباع المؤمنين الحق الذي أمر اللَّه باتباعه من التوحيد والإيمان وعمل الطاعات.
كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثالَهُمْ أي مثل ذلك البيان الرائع، يبين اللَّه للناس أحوال الفريقين الجارية مجرى الأمثال في الغرابة، ويظهر مآل أعمالهم، وما يصيرون إليه في معادهم.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
1 -إن جزاء أهل مكة الذين كفروا بتوحيد اللَّه، وصدوا أنفسهم والمؤمنين عن دين اللَّه، وهو الإسلام، بنهيهم عن الدخول فيه، هو إبطال ثمرة أعمالهم في كفرهم، بما كانوا يسمونه مكارم الأخلاق، فلم يبق لهم عمل، ولم يوجد، وأدى ذلك بالتالي إلى أنه لم يمتنع الإهلاك عنهم، ولا صرفهم عن التوفيق لسبل السعادة.
والمراد بالإضلال: إبطال العمل وأثره بحيث لا يجده ولا يجد من يثيبه عليها.
2 -إن المغفرة هي جزاء الذين آمنوا بالله وعملوا الأعمال الصالحة باتباع الفرائض، واجتناب النواهي، والتصديق بالقرآن الذي أنزل على محمد صلّى اللَّه عليه وسلّم وبما جاء به، دون أن يخالفوه في شيء. والقرآن: هو الحق الثابت الراسخ من ربهم، الذي نسخ به ما قبله، والمغفرة أو التكفير: الستر والتجاوز عما مضى من ذنوبهم وسيئاتهم قبل الإيمان، وإصلاح البال: إصلاح شأنهم وحالهم وأمورهم، والمراد إصلاح ما تعلق بدنياهم. وتكفير السيئات من الكريم: سترها بما هو خير منها، فهو في معنى قوله تعالى: فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ [الفرقان 25/ 70] .