والمعنى: أن سورة حم واقعة في الآيات المحكمة التي هي الأصل والأم ، وقرأ حمزة والكسائي في الوصل بكسر الهمزة والباقون بضمها واتفقوا في الابتداء بالهمزة على الضم وقوله تعالى: {لدينا} أي: عندنا بدل من الجار قبله {لعلي} أي: رفيع الشأن في الكتب لكونه معجزاً من بينها {حكيم} أي: ذو حكمة بالغة أو محكم في أبواب البلاغة والفصاحة.
{أفنضرب} أي: أنهملكم فنضرب أي: ننجي مجاوزين {عنكم الذكر} أي: القرآن وفي نصب قوله تعالى: {صفحاً} أوجه ؛ أحدها: أنه مصدر من معنى نضرب لأنه يقال ضرب عن كذا وأضرب عنه بمعنى أعرض عنه وصرف وجهه عنه قال طرفة:
*اضرب عنك الهموم طارقها ** ضربك بالسيف قونس الفرس*
واضرب بفتح الباء أصله اضربن بنون التوكيد الخفيفة فحذفت النون وحركت الباء بالفتح ، والطارق ما يطرق بالليل والقونس: منبت شعر الناصية وهو عظمٌ نابت بين أذني الفرس ، ثانيها: أنه منصوب على الحال أي: صافحين ثالثها أن يكون مفعولاً من أجله وقيل غير ذلك {أن} أي: أنفعل ذلك لأن {كنتم قوماً مسرفين} أي: مشركين لا نفعل ذلك وهو في الحقيقة علة مقتضية لترك الإعراض ، وقرأ نافع وحمزة والكسائي بكسر الهمزة على أن الجملة شرطية مخرجة للمحقق ومخرج المشكوك استجهالاً لهم وما قبلها دليل الجزاء ، وقرأ الباقون بفتحها وذكر تعالى تأنيساً للنبي صلى الله عليه وسلم وتأسية وتعزية وتسلية قوله سبحانه وتعالى:
{وكم أرسلنا} أي: على ما لنا من العظمة {من نبي في الأولين} أي: في الأمم الماضية ثم حكى حالهم الماضية بقوله تعالى:
{وما} أي: والحال أنه ما {يأتيهم} وأغرق في النفي بقوله تعالى: {من نبي} أي: في أمة بعد أمة أو زمان بعد زمان {إلا كانوا} أي: خلقاً وطبعاً {به يستهزؤون} كما استهزأ قومك بك فلا ينبغي أن تتأذى من قومك بسبب تكذيبهم واستهزائهم لأن المصيبة إذا عمت خفت.