الرَّابِعُ: لَوْ لَمْ تثبت الْحَيَاةَ فِي الْقَبْرِ لَزِمَ أَنْ لَا يَحْصُلَ الْمَوْتُ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً فَكَانَ إِثْبَاتُ الْمَوْتِ مَرَّتَيْنِ كَذِبًا وَهُوَ عَلَى خِلَافِ لَفْظِ الْقُرْآنِ، أَمَّا لَوْ أَثْبَتْنَا الْحَيَاةَ فِي الْقَبْرِ لَزِمَنَا إِثْبَاتُ الْحَيَاةِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَالْمَذْكُورُ فِي الْقُرْآنِ مَرَّتَيْنِ، أَمَّا الْمَرَّةُ الثَّالِثَةُ فَلَيْسَ فِي اللَّفْظِ مَا يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِهَا أَوْ عَدَمِهَا، فَثَبَتَ أَنَّ نَفْيَ حَيَاةِ الْقَبْرِ يَقْتَضِي تَرْكَ مَا دَلَّ اللَّفْظُ عَلَيْهِ، فَأَمَّا إِثْبَاتُ حَيَاةِ الْقَبْرِ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي إِثْبَاتَ شَيْءٍ زَائِدٍ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ مَعَ أَنَّ اللَّفْظَ لَا إِشْعَارَ فِيهِ بِثُبُوتِهِ وَلَا بِعَدَمِهِ فَكَانَ هَذَا أَوْلَى، وَأَمَّا مَا ذَكَرُوهُ فِي الْمُعَارَضَةِ الْأُولَى فنقول قوله (يَحْذَرُ الْآخِرَةَ) [الزمر: 9] تَدْخُلُ فِيهِ الْحَيَاةُ الْآخِرَةُ سَوَاءٌ كَانَتْ فِي الْقَبْرِ أَوْ فِي الْقِيَامَةِ، وَأَمَّا الْمُعَارَضَةُ الثَّانِيَةُ فَجَوَابُهَا أَنَّا نُرَجِّحُ قَوْلَنَا بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْوَارِدَةِ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ.
وَأَمَّا الْوَجْهَانِ الْعَقْلِيَّانِ فَمَدْفُوعَانِ، لِأَنَّا إِذَا قُلْنَا أَنَّ الْإِنْسَانَ لَيْسَ عِبَارَةً عَنْ هَذَا الْهَيْكَلِ بَلْ هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ جِسْمٍ نُورَانِيٍّ سَارٍ فِي هَذَا الْبَدَنِ كَانَتِ الْإِشْكَالَاتُ الَّتِي ذَكَرْتُمُوهَا غَيْرَ وَارِدَةٍ فِي هَذَا الْبَابِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: اعْلَمْ أَنَّا لَمَّا أَثْبَتْنَا حَيَاةَ الْقَبْرِ فَيَكُونُ الْحَاصِلُ فِي حَقِّ بَعْضِهِمْ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ مِنَ الْحَيَاةِ وَثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ مِنَ الْمَوْتِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ) [الْبَقَرَةِ: 243] فهؤلاء أربعة مَرَاتِبٍ فِي الْحَيَاةِ، حَيَاتَانِ فِي الدُّنْيَا، وَحَيَاةٌ فِي الْقَبْرِ، وَحَيَاةٌ رَابِعَةٌ فِي الْقِيَامَةِ.