[963] فإن قيل: كيف قال المؤمن، في حقّ موسى عليه السلام: وَإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ) [غافر: 28] ؛ مع أنه صادق في زعم القائل لهذا القول وفي نفس الأمر أيضا، ويلزم من ذلك أنّ يصيبهم جميع ما وعدهم لا بعضه فقط؟
قلنا: فيه وجوه: أحدها: أن لفظة بعض صلة.
الثاني: أنها بمعنى «كل» كما في قول الشاعر: إن الأمور إذا الأحداث دبّرها ... دون الشّيوخ ترى في بعضها خللا
ومنه قول لبيد: أو لم تكن تدري نوار بأنني ... وصّال عقد حبائل جذّامها
ترّاك أمكنة إذا لم أرضها ... أو يرتبط بعض النفوس حمامها
قلنا: ولقائل أن يقول: إن لفظة بعض في البيتين على حقيقتها، وكنى لبيد ببعض النفوس عن نفسه كأنه قال: (أتركها إلى أن أموت، وكذا فسره ابن الأنباري.
على أن أبا عبيدة قال: (إنّ بعض في الآية بمعنى كل؛ واستدل ببيت لبيد، وأنكر الزمخشري على أبي عبيدة هذا التفسير. على أن غير أبي عبيدة قال في قوله تعالى، حكاية عن عيسى عليه السلام لأمته: وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ) [الزخرف: 63] ، أن بعضا فيه بمعنى كل.
الثالث: أنها على أصلها. ثم في ذلك وجهان:
أحدهما: أنه وعدهم النجاة إن آمنوا والهلاك إن كفروا، فذكر لفظة بعض؛ لأنهم على إحدى الحالتين لا محالة.
الثاني: أنه وعدهم على كفرهم الهلاك في الدنيا والعذاب في الآخرة، وكان هلاكهم في الدّنيا بعضا، فمراده يصيبكم في الدنيا بعض الذي يعدكم.
الرابع: أنه ذكر البعض بطريق التنزل والتلطف وإمحاض النصيحة من غير مبالغة ولا تأكيد ليسمعوا منه ولا يتّهموه؛ فيردّوا عليه، وينسبوه إلى ميل ومحاباة لموسى عليه السلام، كأنه قال: (أقل ما يصيبكم البعض وفيه كفاية، ونظيره قول الشاعر: قد يدرك المتأنّي بعض حاجته ... وقد يكون من المستعجل الزّلل
كأنه يقول أقل ما يكون في التأني إدراك بعض المطلوب، وأقل ما يكون في الاستعجال الزلل، فقد بان فضل التأني على العجلة بما لا يقدر الخصم على دفعه ورده. والوجه الرابع هو اختيار الزمخشري رحمة الله عليه.
[964] فإن قيل: التّولي والإدبار واحد فما فائدة قوله تعالى: (يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ؟) [غافر: 33] .
قلنا: هو تأكيد، كقوله تعالى: (فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ) [النحل: 26] ونظائره كثيرة.