الثاني: أنه استثارة لحميتهم واستجلاب لأنفتهم لما في لفظ «مدبرين» من التّعريض بذكر الدّبر، فيصير نظير قوله تعالى: (وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ) [القمر: 45] .
[965] فإن قيل: ما فائدة التكرار في قوله تعالى: (لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ أَسْبابَ السَّماواتِ) [غافر: 36، 37] وهلّا قال: (أبلغ أسباب السماوات؟ أي أبوابها وطرقها.
قلنا: إذا أبهم الشيء ثم أوضح كان تفخيما لشأنه وتعظيما لمكانه، فلما أراد تفخيم ما أمل بلوغه من أسباب السماوات أبهمها ثم أوضحها.
[966] فإن قيل: مثل السيئة سيئة فما معنى قوله تعالى: (مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها) [غافر: 40] ؟
قلنا: معناه أن جزاء السيئة له حساب وتقدير لا يزيد على المقدار المستحق، فأمّا جزاء العمل الصالح فبغير تقدير حساب، كما قال تعالى في آخر الآية.
[967] فإن قيل: قوله تعالى: (مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها) [الأنعام: 160] ينافي ذلك.
قلنا: ذلك لمنع النقصان لا لمنع الزيادة، كما قال الله تعالى: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ) [يونس: 26] .
[968] فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَقالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ) [غافر: 49] ولم يقل: وقال الذين في النار لخزنتها مع أنّه أخصر؟
قلنا: لأنّ في ذكر جهنّم تهويلا وتفظيعا. وقيل: إن جهنّم هي أبعد النار قعرا، وخزنتها أعلى الملائكة الموكلين بالنّار مرتبة، فإنّما قصدهم أهل النار بطلب الدّعاء منهم لذلك.
[969] فإن قيل: كيف قال المشركون: بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً) [غافر: 74] ؛ مع قولهم: هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ) [النحل: 86] .
قلنا: معناه أن الأصنام التي كنا نعبدها لم تكن شيئا؛ لأنها لا تنفع ولا تضر.
الثاني: أنهم قالوا كذبا وجحودا كقولهم: وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ) [الأنعام: 23] .
[970] فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ) [غافر: 80] ولم يقل: وفي الفلك تحملون، كما قال تعالى: (قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ) [هود: 40] ؟
قلنا: معنى الوعاء ومعنى الاستعلاء كلاهما صحيح في الفلك؛ لأنه وعاء لمن يكون فيه وحمولة لمن يستعليه، فلما صح المعنيان استقامت العبارتان معا. انتهى انتهى. {أنموذج جليل صـ 452 - 457} .