فأما قوله في سورة المؤمن: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ} بعد قوله: {إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ} ولو قال: ولكن أكثرهم لا يشكرون لقرب الذكر لكان من الجائز الحسن، فإنه محمول على الآيات التي قبله، وهي قوله: {لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} وقال بعده: {إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ} ثم جاء: {إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ} فأظهر ذكر الناس كما أظهر في الآيتين قبلها للمشاكلة والملائمة، وليس كذلك الأمر في سورة يونس عليه السّلام لأن الكلام هناك بني على الإضمار في الآية المتقدمة، ألا ترى أنه قال تعالى مخبرا عمن يدخل من الظالمين النار: {ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ} فانقضى هذا الكلام واستؤنف خبر عن القوم الذين بعث الله رسوله صلّى الله عليه وسلم إليهم، وقال: {وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ} فأضمر ذكره في قوله: {وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ} ثم قال بعده:
{أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} فأضمر ما أضاف إليه أكثر، ثم انتهى إلى قوله بعده:
{إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ} فاقتضى ما بني عليه الكلام في هذه الآي أن يكون ما بعد الشرط بلفظ الإضمار كما كان ما تقدمه، فاختلاف الموضعين في الإظهار والإضمار لما ذكرنا.
الآية الثالثة من سورة غافر