{أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} [الزمر: 36] ؛ أي: أليس الله لعبده بكاف عن غيره وعما سواه، والإشارة فيه: إن الله كاف لعبده عن كل شيء، ولا يكفي له كل شيء عن الله، ولهذا المعنى {إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى} [النجم: 16] من نفائس الملك والملكوت؛ ليكون للنبي صلى الله عليه وسلم ذلك النفائس كافياً عن رؤية الله، {مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى} [النجم: 17] بنظر القبول إليها حتى {رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} [النجم: 18] .
وبقوله: {وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ} [الزمر: 36] ، يشير إلى إن رؤية الخير والشر من غير الله ضلالة، وتخويف بمن دون الله غاية الضلالة؛ فلهذا قال تعالى: {وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} [الزمر: 36] ؛ لأن الهادي على الحقيقة هو الله.
{وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ} [الزمر: 37] كيف يضله؟! {أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ} [الزمر: 37] يعز من يعبده {ذِي انْتِقَامٍ} [الزمر: 37] ممن يعصيه.
ثم أخبر عن مقال أهل الضلال في ثناء ذي الجلال بقوله: {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [الزمر: 38] ، يشير إلى إن الإيمان الفطري مركوز في جبلة الإنسان يوم الميثاق؛ إذ أشهدهم الله على أنفسهم فقال: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى} [الأعراف: 172] ، كما قال: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} [الروم: 30] ، وقال صلى الله عليه وسلم:"كل مولود يولد على الفطرة"، فلا يزال يوجد في الإنسان وإن كان كافراً أثر ذلك الإقرار، ولكنه غير نافع إلا مع الإيمان الكسبي بالله وملائكته وكتبه ورسله وما جاء به، فلما قرر عليهم علو صفاته وما هو عليه استحقاق جلاله فأقروا بذلك.