وبقوله: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ علَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَآءَهُ} [الزمر: 32] ، يشير إلى بعض مدَّعي هذا الحديث ممن يدَّعي ويكذب على الله بأنه أعطاه رتبة لم يذق بعد منها ما يشاء، وإذا وجد صديقاً جاءه بالصدق في المقال والأحوال كذبه، وينكره على صدقه، يكون حاصل أمره يوم القيامة قوله تعالى: {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ} [الزمر: 60] ؛ ولهذا قال تعالى: {أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ} [الزمر: 32] ؛ أي: لكافري النعمة.
{وَالَّذِي جَآءَ بِالصِّدْقِ} [الزمر: 33] ؛ أي: جاء به من الحق تعالى لا من عند نفسه؛ لأن الصدق ليس من المكاسب، بل هو من المواهب، {وَصَدَّقَ بِهِ} [الزمر: 33] ؛ أي: الذي جاء بالصدق هو الذي صدق بالصدق إذ رآه مع غيره؛ لأن الصدق لا يرى إلا بالصدق، كما أن النور لا يرى إلا بالنور؛ ولهذا قال: {َأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [الزمر: 33] ؛ أي: بنور الصدق يرون الحق والباطل فيتقون بالحق عن الباطل.
{لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ} [الزمر: 34] ؛ لأنهم تقربوا إلى الله بالاتقاء به عما سواه، فأوجب الله في إدامة كرمه أن يتقرب إليهم بإعطاء ما يشاءون من عنده، بحسب حسن استعدادهم في الطلب بالتقرب من كمالات القرب والمشاهدة، {ذَلِكَ جَزَآءُ الْمُحْسِنِينَ} [الزمر: 34] ؛ أي: ذلك للقرب والمشاهدة جزاء من عمل على مشاهدة الحق؛ لأن الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
{لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ} [الزمر: 35] ؛ أي: من المحسنين {أَسْوَأَ} [الزمر: 35] من الإحسان، {الَّذِي عَمِلُواْ} [الزمر: 35] ؛ أي: من الكبائر {وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [الزمر: 35] من الإحسان، فأحسن ما عملوا أن عبدوا الله كأنهم يرونه؛ أي: عبدوه على المشاهدة وبأحسنها.