ثم {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً} [الزمر: 29] من تلك الأمثال {رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ} [الزمر: 29] ؛ أي: الذي يتجاذبه شغل الدنيا وشغل العيال، وغير ذلك من الأشغال المختلفة، والخواطر المتشتتة، {وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ} [الزمر: 29] مؤمناً خالصاً ليس للخلق فيه نصيب، ولا للدنيا معه نسيب، وهو عن الآخرة غريب، وإلى الله قريب منيب، {هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً} [الزمر: 29] البطَّالون والطالبون، والمنقطعون والواصلون، {الْحَمْدُ للَّهِ} [الزمر: 29] الثناء له وهو مستحق لصفات الجلال {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} [الزمر: 29] كمال جماله، ولا يطَّلعون على أحسن استعدادهم لمرآتية صفات جماله وجلاله، وإلا لعطلوا الأمور الدنيوية بأسرها، وخربت الدنيا التي هي مزرعة الآخرة، وهلك الباطل والطالب.
وبقوله: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ} [الزمر: 30] ، يشير إلى نعيه صلى الله عليه وسلم، ونعي المسلمين إليهم؛ ليفرغوا بأجمعهم عن مأتمهم، ولا تعزيه في العادة بعد ثلاث، ومن لم يتفرغ من مأتم نفسه وأنواع همومه فليس له من هذا الحديث [في شيء] ، فإذا أفرغ قلبه عن حديث نفسه وعن الكونين بالكلية فحينئذ يجد الخير من ربه، وليس هذا الحديث إلا بعد فنائهم عنهم؛ ولهذا أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام فقال:"يا داود فرغ لي بيت أسكن فيه قال: يا رب أنت منزه عن البيت كله، قال: فرغ لي قلبك"، وقال لنبينا صلى الله عليه وسلم: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} [الشرح: 1] ؛ يعني: ولي قلبك، وقال: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر: 4] ؛ أي: قلبك فطهر؛ أي: عن لوث تعلقات الكونين.
{ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ} [الزمر: 31] ، أي: تراجعون الحق تعالى لشفاعة أقربائكم وأهاليكم وأصدقائكم بعد فراغكم عن خويصة أنفسكم.