وقال أبو نصر السراج أهل السماع على ثلاث طبقات: فقوم يرجعون في سماعهم إلى مخاطبات الحق لهم فيما يسمعون، وقوم يرجعون فيما يسمعون إلى مخاطبات أحوالهم ومقامهم وأوقاتهم فهم مرتبطون بالعلم ومطالبون بالصدق فيما يشيرون لله من ذلك، وقوم هم الفقراء المجردون الذين قطعوا العلائق ولم تتلوث قلوبهم بمحبة الدنيا والجمع والمنع فهم يسمعون لطيبة قلوبهم، ويليق بهم السماع فهم أقرب الناس إلى السلامة وأسلمهم من الفتنة. وكل قلب ملوث بحب الدنيا فسماعه سماع طبع وتكلف.
وسئل بعضهم عن التكلف في السماع فقال: هو على ضربين؛ تكلف في المستمع لطلب جاه أو منفعة دنيوية وذلك تلبيس وخيانة، وتكلف فيه لطلب الحقيقة كمن يطلب الوجد بالتواجد وهو بمنزلة التباكي المندوب إليه. وقول القائل: إن هذه الهيئة من الاجتماع بدعة يقال له: إنما البدعة المحذورة الممنوع منها؛ بدعة تزاحم سنة مأموراً بها وما لم يكن هكذا فلا بأس به. وهذا كالقيام للداخل؛ لم يكن، فكان في عادة العرب ترك ذلك، حتى نقل: أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم كان يدخل ولا يقام له، وفي البلاد التي فيها هذا القيام لهم عادة إذا اعتمد ذلك لتطييب القلوب والمداراة لا بأس به؛ لأن تركه يوحش القلوب ويوغر الصدور؛ فيكون ذلك من قبيل العشرة وحسن الصحبة، ويكون بدعة لا بأس بها لأنها لم تزاحم سنة مأثورة.
(فصل: في القول في السماع رداً وإنكارا)
قد ذكرنا وجه صحة السماع وما يليق منه بأهل الصدق وحيث كثرت الفتنة بطريقه وزالت العصمة فيه، وتصدى للحرص عليه أقوام قلت أعمالهم، وفسدت أحوالهم وأكثروا الاجتماع للسماع، وربما يتخذ للاجتماع طعام تطلب النفوس الاجتماع لذلك لا رغبة للقلوب في السماع كما كان من سير الصادقين، فيصير السماع معلولاً تركن إليه النفوس للشهوات واستحلاء لمواطن اللهو والغفلات، ويقطع ذلك على المريد طلب المزيد. ويكون بطريقه تضييع الأوقات وقلة الحظ من العبادات، وتكون الرغبة في الاجتماع طلباً لتناول الشهوة واسترواحاً لأولي الطرب واللهو والعشرة ولا يخفى أن هذا الاجتماع مردود عند أهل الصدق. وكان يقال لا يصح السماع إلا لعارف مكين، ولا يباح لمريد مبتدئ.