كذلك كانت هذه القصة وسيلة إلى الجدل والتشادّ والبحوث الكلامية والمذهبية سواء أكان فيما يتعلق بالإغواء والاختيار وتحتيم الجنة والنار على الناس منذ الأزل، أم فيما يتعلق بتعبير يد الله وروحه الذي ورد في الآيات التي نحن بصددها وأمثالها، أم في موضوع التفاضل بين الأنبياء والملائكة الذي لو حظ في
عبارة آيات البقرة [30 - 32] لأن آدم كان من الأنبياء حسب التقاليد الإسلامية.
وكل هذا لا يدخل في نطاق الهدف القرآني للقصة فلا طائل من ورائه كما أن فيه تحميلا للعبارات القرآنية ما لا تتحمله.
تعليق على تعبير وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي
وتعبير وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي في الآيات في صدد خلق آدم قد تكرر في القرآن فاستعمل في سياق خلق الإنسان الأول مطلقا في غير قصة آدم وإبليس كما جاء في آيات سورة السجدة: الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ (7) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ (8) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ (9) واستعمل في سياق ذكر خلق عيسى كما جاء في آية سورة الأنبياء هذه: وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ (91) . وروح التعبير في مختلف المواضع تلهم قصد التدليل على قدرة الله وتقرير دبيب نسمة الحياة في الإنسان الأول وفي رحم أمّ المسيح بأمر الله وقدرته وإرادته. فالواجب الوقوف عند هذا الحد مع ملاحظة أن استنتاج وتقرير أي صلة حقيقية بين الله والإنسان عن طريق الروح بمفهومها الحرفي لا معنى له، وليس مما تقتضيه أو تتحمله العبارات والتقريرات القرآنية المتنوعة، وخاصة ضوابط الكنه الرباني في القرآن التي من أهمها جملة لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ حيث يشمل هذا كل ما يتصل به وصفاته وكينونته مما لا سبيل لإدراكه بعقلنا الإنساني ومما لا تصح فيه أي مماثلة.