وقال الجنيد رحمه الله تعالى: إذا رأيت المريد يطلب السماع فاعلم أن فيه بقية البطالة، وقيل: إن الجنيد ترك السماع فقيل له: كنت تستمع؟ فقال: مع من؟ قيل له: تسمع لنفسك؟ فقال: ممن؟ لأنهم كانوا لا يسمعون إلا من أهل مع أهل فلما فقد الإخوان ترك. فما اختاروا السماع حيث اختاروه إلا بشروط وقيود وآداب؛ يذكرون به الآخرة، ويرغبون في الجنة، ويحذرون من النار، ويزداد به طلبهم، وتحسن به أحوالهم، ويتفق لهم ذلك اتفاقاً في بعض الأحايين لا أن يجعلوه دأباً وديدناً حتى يتركوا لأجله الأوراد.
وقد نقل عن الشافعي رضي الله عنه أنه قال في كتاب القضاء: الغناء لهو مكروه يشبه الباطل، وقال: من استكثر منه فهو سفيه ترد شهادته.
واتفق أصحاب الشافعي أن المرأة غير المحرم لا يجوز الاستماع إليها سواء كانت حرة أو مملوكة أو مكشوفة الوجه أو من وراء حجاب. ونقل عن الشافعي رضي الله عنه؛ أنه كان يكره الطقطقة بالقضيب ويقول: وضعه الزنادقة ليشغلوا به عن القرآن، وقال: لا بأس بالقراءة بالألحان وتحسين الصوت بها بأي وجه كان. وعند مالك رضي الله عنه: إذا اشترى جارية فوجدها مغنية فله أن يردها بهذا العيب، وهو مذهب سائر أهل المدينة، وهكذا مذهب الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه.
وسماع الغناء من الذنوب وما أباحه إلا نفر قليل من الفقهاء. ومن أباحه من الفقهاء أيضاً لم ير إعلانه في المساجد والبقاع الشريفة.
وقيل في تفسير قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ} (لقمان: الآية 6) قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: هو الغناء والاستماع إليه، وقيل في قوله تعالى: {وَأَنتُمْ سَامِدُونَ} (النجم: الآية 61) أي مغنون؛ رواه عكرمة عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما وهو الغناء بلغة حمير، يقول أهل اليمن: سمد فلان، إذا غنى، وقوله تعالى: {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ} (الإسراء: الآية 64) قال مجاهد: الغناء والمزامير.
وروى عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: أن النبي قال: «إِنَّما نُهِيتُ عَنْ صَوْتَيْنِ فَاجِرَينِ: صَوْتٍ عِنْدَ نِعْمَةٍ، وَصَوْتٍ عِنْدَ مُصِيبَةٍ» .
وقد روي عن عثمان رضي الله عنه أنه قال: ما غنيت ولا تمنيت ولا مسست ذكري بيميني منذ بايعت رسول الله.
وروي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: الغناء ينبت النفاق في القلب.