والمراد بالعطاء ما يعطيه الإِمام الرجلَ مما يستحقه من بيت المال.
فإذا كان - صلى الله عليه وسلم - أمر بترك الحق من بيت المال إذا لم يعطه الإِمام إلا رشوة على الدين كأن يطلب منك المساعدة على غرض مذموم؛ فما ظنك بالهدية والرشوة؟
وفي حديث آخر:"خُذوا العَطاءَ ما كانَ عَطاءً، فَإِذا كانَ إِنَّما هُوَ رِشًى فَاتْرُكوهُ، وَلا أَراكُمْ تَفْعَلُونَ؛ يَحْمِلُكُمْ عَلى ذَلِكَ الفَقْرُ وَالْحاجَةُ".
وليس في هذا الحديث بيان الرخصة للفقر والحاجة، وإنما تؤخذ الرخصة من دليل آخر.
ولقد عَدَّ الرخصةَ في ذلك نزولاً عن الرتبة وانحطاطاً في الدرجة غيرُ واحد.
وقال أبو الحسن بن جهضم في"بهجة الأسرار": سمعت أبا عبد الله محمَّد بن خفيف يقول: لما دخلت بغداد قصدت رُويمًا وكان قد تولى القضاء، فلما دخلت عليه رحَّب بِي وأدناني، وقال لي: من أين أنت؟
فقلت: من فارس.
فقال: لمن صحبت؟
قلت: جعفر الحذاء.
فقال: ماذا يقول الصوفية فيَّ؟
قلت: لا شيء.
قال: بل يقولون: إنه رجع إلى الدنيا.
فبينا هو يحدثني إذ جاء طفل صغير فقعد في حِجْره، فقال رويم: لو كنت أرى فيهم من يكفيني مؤنة هذا الطفل ما تعلقت بهذا الأمر ولا بشيء من أسباب الدنيا, ولكن شُغلَ قلبي بهذا أوقعني فيما أنا فيه.
* فائِدَةٌ حادِيَةٌ وتسعونَ:
روى أبو عبد الرحمن السلمي في"طبقاته"عن رويم بن أحمد رحمه الله تعالى قال: لا تزال الصوفية بخير ما تنافروا، فإذا اصطلحوا هلكوا.
ومعناه أن الصوفية المجتمعين في رباط واحد ونحوه، أو عند شيخ واحد وهم إخوان لا يزالون بخير ما تنافروا بإنكار بعضهم، لا يرى بعضهم على أخيه شيئًا يقصر به، أو يقعد به عن بلوغ المراتب العلية إلا أنكره عليه، ونقر عليه فيه، والآخر كذلك يفعل معه، فإذا اصطلحوا فتقرب بعضهم إلى بعض بترك الإنكار عليه هلكوا.
وهذا كما كانوا يقولون: اصطلحا فافتضحا.
ونظيره ما رواه أبو نعيم عن سفيان الثوري رحمه الله تعالى: إذا
أثنى على الرجل جيرانه أجمعون فهو رجل سوء.
قالوا لسفيان: كيف ذاك؟
قال: يراهم يعملون بالمعاصي فلا يغير عليهم، ويلقاهم بوجه طليق.