قال: فقال لي: يا أبا عبد الله! أو: يا هذا! إنما أعطاني على خير كان يظنه بي، فلئن كنت كما ظن فما ينبغي لي أن أقبل، وإن لم أكن كما ظن فبالحري أنه لا يجوز لي أن أقبل.
وروى الإِمام أحمد في"الزهد"عن رجاء بن أبي سلمة قال: بلغني أن ابن محيريز دخل على رجل من البزازين يشتري منه شيئًا، فقال له رجل: أتعرف هذا؟ هذا ابن محيريز.
فقام، فقال: إنما جئنا نشتري بدراهمنا، ليس بديننا.
وروى ابنه في"زوائده"عن أبي زرعة: أنه بلغه أن ابن محيريز دخل على تاجر يشتري ثوبًا، فقال رجل كان معه للتاجر: هذا ابن محيريز.
فقال: أف! إنما دخلنا نشتري بنفقتنا, ولم نشتر بديننا.
فخرج ولم يشتر شيئًا.
فانظر كيف لم يرض ابن محيريز بأن سامحه التاجر بشيء ما بسبب دينه وصلاحه، كما لم يرض ابن سيرين أن يقبل ما يعطاه بسبب ما يظن فيه من الخير حسماً لمادة النفوس عن الأطماع، وصيانةً للنفوس عن التعوض عن شيء من الدين بشيء من الدنيا، فكذلك ينبغي للصالح أن لا يترخص في شيء من ذلك وإن احتاج إليه من استطاع؛ فإن في الله عوضًا من كل فائت.
وروى أبو الحسن بن جهضم عن محمَّد بن أبي الورد قال: كتب حذيفة المرعشي إلى يوسف بن أسباط: بلغني أنك بعت دينك بحبتين؛ وقفت على صاحب لبن، فقلتَ: بكم هذا؟
فقال: بسدس.
فقلتَ: بثُمن؟
فقال: هو لك، وكان يعرفك!
وقد روى الإِمام أحمد عن قتادة، وأبي الدهماء قالا: أتينا على رجل من أهل البادية، فقلنا: هل سمعت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيئًا؟ قال: نعم، سمعته يقول:"إنَّكَ لَمْ تَدَعْ شَيئًا لله إلا أَبْدَلَكَ اللهُ بِهِ ما هُوَ خَيْرٌ لَكَ] مِنْهُ".
وفي لفظ:"إِنكَ لَنْ تَدَعَ شَيئًا اتِّقاءَ اللهِ إلا أَعْطاكَ اللهُ خَيرًا مِنْهُ".
قال السخاوي: ورجاله رجال الصحيح.
وروى البخاري في"تاريخه"، وأبو داود، والبغوي، وغيرهم عن ذي الزوائد الجهني رضي الله تعالى عنه - قال البغوي: لا أعلم له غيره - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"خُذوا العَطاءَ ما دامَ عطاء، فَإِذا تَجَاجَفَتْ قُرَيْشٌ بَينها الْمُلكَ، وَصارَ العَطاءُ رِشًا عَنْ في دينكُمْ، فَدَعُوه".