قال: فقلت: أنا أحكي لك حكاية تصديقاً لأبي الخير: سمعت محمد بن حامد وقد ذكر قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"كَيفَ أَخافُ عَلى أُمَّةٍ أَنا أَوَّلُهُمْ وَعِيسى آخِرُهُمْ"؟ فقال ابن حامد: إن عيسى ينزل ثلاث مرات؛ يظهر في أول مرة للأولياء، وفي الثانية للصلحاء، والثالثة ينزل ببيت المقدس فيراه الخاص والعام.
فقام ابن الشفق فدخل داره، فركب دابة وخرج علينا، فقلت له: أين تريد؟
فقال: إلى أبي الخير أستحله.
فقلت له: اجلس إلى الغد.
فقال: إني أخاف والله الموت.
فلما كان بعد أيام رجع إلى طرسوس، فدخلت إليه فقال: رجعت بأعجب مما مضيت فيه عما مضيت فيه، وذلك أني وصلت وقد صلى
أبو الخير العصر وهو في محرابه، فلما صرت بباب المسجد قال لي: يا أبا بكر! ارجع فقد جعلناك في حل.
وقوله في هذه الحكاية يظهر في أول مرة للأولياء، وفي الثانية للصلحاء؛ أراد بالأولياء خواص الصلحاء، لا مطلق الصلحاء، فلا تنافي بينه وبين ما سنذكره إن شاء الله تعالى من أن الأولياء هم الصالحون.
وقوله: وفي الثالثة ينزل ببيت المقدس؛ أراد أن يتخذ بيت المقدس نزلاً وسكناً، ولا يريد نزوله من السماء؛ فإن نزوله من السماء يكون بدمشق لحديث أوس بن أوس رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"يَنْزِلُ عِيسى بْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ الْمَنارَةِ البَيْضاءِ شَرْقِي دِمَشْقَ". رواه الطبراني في"الكبير"بإسناد حسن.
وهو في"الصحيح"من حديث النواس بن سمعان.
* فائِدَةٌ سابِعَةٌ وَخَمسونَ:
روى الإمام أحمد، وابن ماجه عن علي رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله:"الْمَهْدِيُّ مِنَّا أَهْلَ البَيْتِ، يُصْلِحُهُ اللهُ فِي لَيلَةٍ".
وهذا الحديث يحتمل معنيين:
الأول: أن المهدي قد يكون قبل استخلافه مقارفاً لبعض ما عليه الناس، ثم يصلحه الله تعالى في ليلة فيكون من الصالحين كما أصلح الله تعالى عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه حين استخلف، وكان قبل ذلك متنعماً بما عليه أبناء الخلافة والنعمة.
والثاني: أن المراد: يصلحه الله تعالى للخلافة، ويعرفه بما يحتاج إليه من سياسة الرعية ونحوها في ليلة واحدة.