وذكر أبو طالب عن بعض السلف قال: أتى على الناس زمان كان الرجل يأتي إلى مشيخة الأسواق فيقول: من ترون لي أعامل من الناس من أهل الصدق والوفاء؟
فيقال له: عامل من شئت.
ثم أتى عليهم وقت آخر وكان الرجل يقول: من ترون أعامل من الناس؟
فيقال له: عامل من شئت إلا فلاناً وفلاناً.
ونحن في زمان إذا قيل لنا: من نعامل من الناس؟
قلنا: ليس إلا فلاناً أو فلاناً.
وأخشى أن يأتي على الناس زمان يذهب هذا أيضاً.
* فائِدَةٌ خامِسَةٌ وَخَمسونَ:
ألهمني الله تعالى في قوله تعالى حكاية عن الجن في سورة الجن: {وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ} [سورة الجن: 11] مع قوله تعالى في الحديث القدسي:"أَعْدَدْتُ لِعِبادِيَ الصَّالِحِينَ ما لا عَيْنٌ رَأَتْ وَلا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ"كما رواه الإمام أحمد، والشيخان، والترمذي، وابن ماجه من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، دليلاً سمعياً للقول الراجح في الجن أنهم يثابون على الإحسان كما يعاقبون على الإساءة خلافاً لأبي حنيفة رضي الله تعالى عنه، وآخرين أنهم يعاقبون على المعصية، وليس لهم ثواب إلا النجاة من النار فقط احتجاجاً بأنه لا دليل من السمع على أن لهم ثواباً غير ذلك.
ولا يخفى أن في هذه الآية مع الحديث المذكور دليلاً واضحاً على أن لهم ثوابًا غير ذلك لأن الله تعالى يقول:"أَعْدَدْتُ لِعبادِيَ الصَّالِحِينَ"، وهم أعم أن يكونوا بشراً أو ملكاً أو جِنًّا، فتأمله: فإنه لطيف وهو من استنباطي؛ والله الموفق!
* فائِدَةٌ سادِسَةٌ وَخَمسونَ:
حكى الشيخ عبد الله بن أسعد اليافعي رضي الله تعالى عنه في"روض"
الرياحين"في الحكاية الثالثة والعشرين بعد الأربعمئة عن بعض المشايخ قال: قال لي أبو بكر بن الشفق بطرسوس: إني سمعت من أبي الخير شيئاً لم يقبله قلبي منه."
قلت: وما هو؟
قال: ذكر أنه لقي عيسى بن مريم عليهما السلام.