ولقد قال الله تعالى: {رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ} [سورة النور: 37] .
لم يقل: لم يتجروا، ولم يبيعوا، بل قال: {لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ} [سورة النور: 37] ، فهم كانوا يكتسبون ويحترفون إلا أنهم لم يتركوا لذلك طاعة توجهت عليهم، وبالنية يصير الكسب والحرفة عبادةً وطاعةً.
وسئل بعض السادة عن التصوف، فقال: الحرفة والعفة.
والحرفة - وإن كانت دنيئة - لا تناقض الصلاح أيضا كالجزارة، والدباغة إذا تحرز عن النجاسات.
إلا أن من الحرف ما اختاره السلف لمعنى فيه.
قال أبو طالب: وكانت هذه الأعمال العشرة صنائع الأخيار والأبرار: الخرز، والتجارة، والحمل، والحياطة، والقصارة، والخفاف، وعمل الحديد، وعمل المغازل، وصيد البر والبحر، والوراقة.
ومنها ما كرهوه لمعنى فيه أيضاً.
أوصى بعض التابعين رجلاً فقال: لا تسلم ولدك في بيعتين ولا في صنعتين: بيع الطعام، وبيع الأكفان؛ فيتمنى الغلاء وموت الناس.
والصنعتان: صنعة الجزارة؛ فإنها تقسي القلب، وصنعة الصائغ؛ فإنه يزخرف الدنيا بالذهب والفضة.
وكره ابن سيرين الدلالة.
وكره قتادة أجرة الدلال.
وكَرِه الحسن، وابن سيرين، وغيرهما الصرف.
وذلك كله مع تجنب المعصية في ذلك كله من الرِّبا، وصياغة الآنية من النقدين والحلي المحرم، وكذلك التصوير وعمل آلات اللهو.
فأما العاصي في حرفته فحاشا أن يكون من الصالحين، فإن كان
مصراً على صغيرة أو مرتكباً لكبيرة في كسبه أو حرفته فهو من الفاسقين، وإذا خرج من عهدة ما يجب عليه وكان بنية كفاية نفسه، والقيام على عياله، ومساعدة المسلمين بحرفته، وأتقن صنعته، وأحسن، وسمح في البيع والشراء، والأخذ والعطاء، والقضاء والاقتضاء خصوصاً في هذه الأعصار التي كثر فيها الفساد، ومرجت فيها العهود، واستنكر المعروف واستعرف المنكر، فهو في رتبة الصديقية فضلاً عن عموم الصلاح.
ووجود واحد بهذه الصفة الآن في غاية العزة والشذوذ.