والثاني: أن النفس لا يصلحها بقاؤها على أصل فطرتها، والحال التي طبعت عليها حتى تنتقل من حال إلى حال أكمل منها من محاسن الأخلاق والآداب كما في الحديث المتقدم:"إِنَّما العِلْمُ بِالتَّعَلُمِ، وإِنَّما الْحِلْمُ بِالتَّحَلُّمِ"فلا يكره خلقاً ولا يستقبح حالاً إلا انتقل إلى خلق أحسن منه وحال أصلح منه، ولا يرجو في شيء نفعاً إلا طلبه، ولا يظن من شيء ضرراً إلا تنزه عنه، كما قال أبو العتاهية أيضاً: من الطويل
إِذا كَفَّ عَبْدُ اللهِ عَمَّا يَضُرُّهُ ... وَأَكْثَرَ ذِكْرَ اللهِ فَالعَبْدُ صالِحُ
* فائِدَةٌ رابِعَةٌ وَأَرْبَعونَ:
روى عبد الله ابن الإمام أحمد في"زوائد الزهد"عن أبي العلاء بن الشِّخِّير رحمه الله تعالى قال: ما أعطي رجل ما أعطي عبد في الإسلام أفضل من عقل صالح يرزقه.
وكلامه يدل على أن العقل منه صالح ومنه غير صالح، وهو كذلك.
والعقل الصالح ما يعقل صاحبه على خير وعن الشر، وهو العقل الذي يعترف الفاجر يوم القيامة بأنه لم يكن له منه نصيب كما أخبر الله سبحانه وتعالى بقوله: {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ} [سورة الملك: 10 - 11] .
وأما العقل الذي ليس بصالح فهو العقل الذي يصرفه صاحبه في تحصيل دنياه وموافقة هواه، فهو يوم القيامة حجة على صاحبه، ومنه عقول أهل الدهاء والمكر، بل عقول كثر الخلق غير مصروفة إلى ما ينفعهم في الآخرة لتوجهها إلى إصلاح الدنيا ومتابعة الهوى كما قال الله تعالى: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (6) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} [سورة الروم: 6 - 7] .
قال ابن عباس: يعرفون عمران الدنيا وهم في أمر الدين جهال. رواه ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.
ورووا عن قتادة في قوله: {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [سورة الروم: 7] ؛ قال يعلمون تجارتها، وحِرَفها، وبيعها.