وفي رواية عن ابن عباس: {ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [سورة الروم: 7] ؛ يعني: معايشهم؛ متى يغرسون، ومتى يزرعون، ومتى يحصدون.
وقال الحسن رحمه الله تعالى في الآية: ليبلغ من حذق أحدهم بأمر دنياه أنه يقلب الدرهم على ظفره فيخبرك بوزنه، وما يحسن يصلي. رواه ابن المنذر، وابن أبي حاتم.
قلت: قد بلغ من حذقهم ما دققوه من الفكر في عمل الآنية والأمتعة، والنقوش والزخارف والتصاوير، واصطناع الشخوص المتحركة، والإصطرلابات، والساعات المرتبة على لوالب وحركات تنتقل حتى تنتهي حركتها إلى رأس كل ساعة فتضرب، وبيوت الإبر التي لا تتوجه في المرآة إلا إلى جهة الجنوب، وأعمال الناريجيات والسيمياء، والتغطية على أبصار الناس، وأنواع السحر والكهانة.
ومنهم أن يكون ذكاؤه وحذقه في تحريف الكلام وتصحيفه، أو يكون فكره في استخراج عيوب الناس وهجائهم، أو المبالغة في المديح والتشبيب والهجاء، ثم ترى الواحد منهم لا يعرف حكم وضوئه ولا صلاته، ولا بيعه ولا شرائه، ولا تصرفاته التي فيها خلاصه في الدار الآخرة.
نعم؛ يعرف طريق المكاسب والمكر والخديعة في البيع والشراء والحيلة في الحساب، وبذل بعض أنواع النقود دون بعض لما فيه من التفاوت وانتقاص الغريم من حقه.
ومن كان عقله كذلك فهو فاسد العقل، مطموس القلب، متعرض للهلاك والندامة والحسرة في الدار الآخرة.
وإنما العاقل: الأريب، الصالح العقل من فطانته وحذقه في أمور دنيه.
ولقد أحسن القائل: من الطويل
أَلا إِنَّ خَيرَ العَقْلِ ما دلَّ أَهْلَهُ ... عَلى البِرِّ وَالتَّقْوى وَنيْلِ الْمَكارِمِ
* فائِدَةٌ خامِسَةٌ وَأَربعونَ:
روى أبو داود، والترمذي - وصححه - عن عبد الله بن عمرو رضي الله
تعالى عنهما قال: مر علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن نعالج خُصًّا لنا، فقال:"ما هَذا؟".
فقلنا: قد وَهى فنحن نصلحه.
فقال:"ما أَرى الأَمْرَ إِلاَّ أَعْجَلَ مِنْ هَذا".