وبالإيمان صلاح القلب كما سبق، وإذا صح إيمان القلب صلح القلب برثاثة الحال، فهي أولى كما لو صح بحسن البزة وسعة الحال كانت هي أولى، إلا أن الخطر في ذلك أعظم وأشد.
ولقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم:"إِنَّ الصَّفا الزُّلالُ الَّذِي لا تَثْبُتُ عَلَيْهِ أَقْدامُ"
العُلَماءِ الطُّمَّعِ". رواه ابن المبارك عن سهيل بن حسان مرسلاً."
وبزة الدنيا وزهرتها أعظم شيء يحرك الطمع في قلب العبد، فلا يكاد يصلح عليه إلا قلوب الصديقين، وأما من سواهم فقد تأخذه بعزة وابتهاج عند حسن الملبس وطيب العيش، ويكون سببه استيفاء النفس لمقصودها وشهوتها، فيحسب أن ذلك صلاح قلب، وقد وقع في الفساد والهلاك.
قال الخطيب في"تاريخه": حدثنا أبو بكر البرقاني قال: قلت لأبي الحسين بن سمعون: أيها الشيخ! أنت تدعو الناس إلى الزهد في الدنيا والترك لها، وتلبس أحسن الثياب، وتأكل أطيب الطعام؛ فكيف هذا؟
فقال: كل ما يصلحك لله] فافعله؛ إذا صلح حالك مع الله] بلبس لين الثياب، وأكل طيب الطعام فلا يضرك.
* فائِدَةٌ ثالِثَةٌ وَأَربعونَ:
قال أبو العتاهية: من البسيط
لَنْ يصلحَ النَّفسَ ما كانَتْ مُصَرَّفَةً ... إِلاَّ التَّنَقُّلُ مِنْ حالٍ إِلى حالِ
وفي معناه وجهان:
الأول: أن النفس إذا لزمت حالاً واحدة ملَّت، فإذا انتقلت بها الأحوال من حركة إلى سكون، ومن عشير إلى عشير، ومن طعام إلى طعام، ومن لباس إلى لباس، صلحت وصفا لها وقتها.
وعليه: فصلاحها المراد به صيانتها عن الملل، فالمراد به صلاح عيشها في الدنيا.
وكان المأمون يفهم ذلك من البيت كما ذكر الماوردي في"أدب الدين والدنيا": أن المأمون كان يتنقل كثيراً في داره من مكان إلى مكان، وينشد البيت.
وقد يكون بصلاح عيشها في الدنيا صلاح آخرتها، ومن ثم قيل: روحوا النفس ساعة وساعة.