* فائِدَةٌ سابِعَةَ عَشْرَةَ:
قد علم من قول الله تعالى في حديث أنس رضي الله تعالى عنه المذكور آنفاً:"إِنِّي أُدَبِّرُ عِبادِيَ بِعِلْمِي بِقُلُوبِهم"أن العبرة بصلاح القلب، ومن ثم قال:"وَإِنَّ مِنْ عِبادِي مَنْ لا يُصْلِحُ إِيْمانَهُ إِلاَّ كَذا".
والإيمان محله القلب؛ فصلاحه وفساده في القلب.
ولقد تقدم قوله - صلى الله عليه وسلم:"أَلا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَة، مَتَى صَلُحَتْ صَلُحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَمَتَى فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُهُ؛ أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ".
وقوله - صلى الله عليه وسلم:"مَنْ كانَ لَهُ قَلبٌ صالِحٌ تَحَنَّنَ اللهُ عَلَيْهِ". رواه الحكيم الترمذي في"نوادر الأصول".
وروى فيه عن يزيد بن ميسرة رحمه الله تعالى قال: قال عيسى عليه السلام: بالقلوب الصالحة يعمر الله الأرض، وبها يخرب الأرض إذا كانت غير ذلك؛ أي: غير صالحة.
والمراد بالقلوب الصالحة أن تصلح لله تعالى، ولذكره وحبه، وإرادة وجهه بكل عمل صالح، وإذا كان القلب كذلك صلحت الجوارح، وظهرت الخدمة عليها والطاعة، واستكمل العبد الصلاح.
ولسمنون المحب - وأجاد فيما شاد رحمه الله تعالى: من الطويل
وَكانَ فُؤادِي خالِياً قَبْلَ حُبِّكُمْ ... وَكانَ بِذِكْرِ الْخَلْقِ يَلْهُو وَيمْرَحُ
فَلَمَّا دَعا قَلْبِي هَواكَ أَجابَهُ ... فَلَسْتُ أُراهُ عَنْ فِنائِكَ يَبْرَحُ
رُمِيتُ بِبَيْنٍ مِنْكَ إِنْ كُنتُ كاذِباً ... وإنْ كُنتُ فِي الدُّنْيا بِغَيْرِكَ أَفْرَحُ
وإنْ كانَ شَيْءٌ فِي البِلادِ بِأَسْرِها ... إِذا غِبْتَ عَنْ عَيْنِي لِعَيْنِيَ يَمْلُحُ
فَإِنْ شِئْتَ واصِلْنِي وَإِنْ شِئْتَ لا تَصِلْ ... فَلَسْتُ أَرى قَلْبِي لِغَيْرِكَ يَصْلُحُ
* تَنبِيهٌ:
قال ولي الله تعالى الشيخ أرسلان الدمشقي في"رسالته": ما صلحْتَ لنا ما دام فيك بقية لسوانا، فإذا حَوَّلْتَ السوى عنك أفنيناك عنك، فصلحْتَ لنا، فأودعناك سرَّنا.
أشار بذلك إلى مقام الإخلاص بقوله: ما صلحت لنا؛ أي: ما صلح قلبك لنا.