الثاني: أن معنى آثارهم خطاهم إلى المساجد ونحوها من فعل الخير ، وكذلك خطاهم إلى الشر ، كما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنّه قال:"يا بني سلمة دياركم تكتب آثاركم"يعني خطاكم من بيوتكم إلى مسجده صلى الله عليه وسلم.
أما على القول الأول فالله جل وعلا قد نص على أنهم يحملون أوزار من أضلوهم وسنوا لهم السنن السيئة كما في قوله تعالى: {لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ القيامة وَمِنْ أَوْزَارِ الذين يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ} [النحل: 25] الآية. وقوله تعالى: {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ} [العنكبوت: 13] .
وقد أوضحنا ذلك في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: {وَمِنْ أَوْزَارِ الذين يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ} [النحل: 25] وذكرنا حديث جرير ، وأبي هريرة في صحيح مسلم في إيضاح ذلك.
ومن الآيات الدالة على مؤاخذة الإنسان بما عمل به بعده مما سنه من هدى أو ضلالة. قوله تعالى: {يُنَبَّأُ الإنسان يَوْمَئِذِ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ} [القيامة: 13] بناء على أن المعنى بما قدّم مباشراً له ، وأخّر مما عمل به بعده ممّا سنه من هدى أو ضلال. وقوله تعالى: {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ} [الإنفطار: 5] على القول بذلك.
وأما على تفسير الثاني: وهو أن معنى {وَآثَارَهُمْ} خطاهم إلى المساجد ونحوها ، فقد جاء بعض الآيات دالاً على ذلك المعنى كقوله تعالى: {وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِياً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ} [التوبة: 121] لأن ذلك يستلزم أن تكتب لهم خطاهم التي قطعوا بها الوادي في غزوهم.
وأما الرابع: وهو قوله تعالى: {وَكُلَّ شيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ في إِمَامٍ مُّبِينٍ} فقد تدّل عليه الآيات الدالة على الأمر الثاني ، وهو كتابة جميع الأعمال التي قدّموها بناء على أن المراد بذلك خصوص الأعمال.