وهذه الجملة صفة لآلهة ، أو مستأنفة لبيان حالها في عدم النفع ، والدفع ، وقوله: {لاَّ تُغْنِ} جواب الشرط ، وقرأ طلحة بن مصرّف"إن يردني"بفتح الياء ، قال: {إِنّى إِذاً لَّفِى ضلال مُّبِينٍ} أي: إني إذا اتخذت من دونه آلهة لفي ضلال مبين واضح ، وهذا تعريض بهم كما سبق ، والضلال الخسران.
ثم صرّح بإيمانه تصريحاً لا يبقى بعده شكّ ، فقال: {إِنّى ءامَنتُ بِرَبّكُمْ فاسمعون} خاطب بهذا الكلام المرسلين.
قال المفسرون: أرادوا القوم قتله ، فأقبل هو على المرسلين ، فقال: إني آمنت بربكم أيها الرسل ، فاسمعون: أي: اسمعوا إيماني ، واشهدوا لي به.
وقيل: إنه خاطب بهذا الكلام قومه لما أرادوا قتله تصلباً في الدين ، وتشدّداً في الحقّ ، فلما قال هذا القول ، وصرّح بالإيمان ، وثبوا عليه ، فقتلوه ، وقيل: وطئوه بأرجلهم ، وقيل: حرقوه ، وقيل: حفروا له حفيرة ، وألقوه فيها ، وقيل: إنهم لم يقتلوه بل رفعه الله إلى السماء ، فهو في الجنة ، وبه قال الحسن ، وقيل: نشروه بالمنشار.
{قِيلَ ادخل الجنة} أي: قيل له ذلك تكريماً له بدخولها بعد قتله كما هي سنّة الله في شهداء عباده.
وعلى قول من قال: إنه رفع إلى السماء ، ولم يقتل يكون المعنى: أنهم لما أرادوا قتله نجاه الله من القتل ، وقيل له: ادخل الجنة ، فلما دخلها ، وشاهدها {قَالَ ياليت قَوْمِى يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِى رَبّى وَجَعَلَنِى مِنَ المكرمين} والجملة مستأنفة جواب سؤال مقدر ، أي: فماذا قال بعد أن قيل له: ادخل الجنة ، فدخلها.
فقيل: قال: {يا ليت قومي} إلخ ،"وما"في {بِمَا غَفَرَ لِى} هي: المصدرية: أي بغفران ربي ، وقيل: هي الموصولة: أي: بالذي غفر لي ربي ، والعائد محذوف: أي: غفره لي ربي ، واستضعف هذا ؛ لأنه لا معنى لتمنيه أن يعلم قومه بذنوبه المغفورة ، وليس المراد: إلاّ التمني منه بأن يعلم قومه بغفران ربه له.