وقيل كان مجذوماً وكان منزله أقصى باب من أبواب المدينة عبد الأصنام سبعين سنة يدعوهم لكشف ضره فلم يكشف فلما دعاه الرسل إلى عبادة الله تعالى قال: هل من آية؟ قالوا: نعم ندعوا ربنا القادر يفرج عنك ما بك فقال: إن هذا لعجب لي سبعون سنة أدعو هذه الآلهة فلم تستطع تفريجه فكيف يفرجه ربكم في غداة واحدة؟ قالوا: ربنا على ما يشاء قدير وهذه لا تنفع شيئاً ولا تضر فآمن ودعوا ربهم سبحانه فكشف عز وجل ما به كأن لم يكن به بأس فأقبل على التكسب فإذا أمسى تصدق بنصف كسبه وأنفق النصف الآخر على نفسه وعياله فلما هم قومه بقتل الرسل جاء من أقصى المدينة يسعى ، وعلى هذا نحته للأصنام غير مشكل ولا يحتاج إلى ذلك الجواب البعيد ، نعم بين هذا وبين خبر سباق الأمم ثلاثة وأنه ممن آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم كما آمن تبع منافاة ، وكون إيمانه به عليه الصلاة والسلام إنما كان على يد الرسل وإن كان خلاف الظاهر دافع للمنافاة بينه وبين الأخير فتبقى المنافاة بينه وبين الخبر الأول إلا أن يقال: المراد سباق الأمم إلى الإيمان بعد الدعوة ثلاثة لم يكفروا بعدها قط طرفة عين ، ومما يدل بظاهره أن الرجل لم يكن قبل مؤمناً ما حكى أن المرسلين اللذين أرسلا أولاً لما قربا إلى المدينة رأياه يرعى غنماً فسألهما فأخبراه فقال: أمعكما آية؟ فقالا: نشفي المريض ونبرئ الأكمه والأبرص وكان له ولد مريض فمسحاه فبرئ فآمن ، وحمل آمن على أظهر الإيمان خلاف الظاهر ، والذي يترجح في نظري أنه كان مؤمناً بالمرسلين قبل مجيئه ونصحه لقومه ولا جزم لي بإيمانه ولا عدمه قبل إرسال الرسل ، وظواهر الأخبار في ذلك متعارضة ومع هذا لم يتحقق عندي صحة شيء منها والله أعلم تعالى أعلم بحقيقة الحال.
وجاء {مِنْ أَقْصَى المدينة} هنا مقدماً على {رَجُلٌ} عكس ما جاء في القصص وجعله أبو حيان من التفنن في البلاغة.