روي أنه تعقب أمرهم وسبره بأن قال لهم: أتطلبون أجراً على دعوتكم هذه؟ قالوا: لا ، فدعا عند ذلك قومه إلى اتباعهم والإيمان بهم ، واحتج عليهم بقوله: {اتبعوا من لايسألكم أجراً وهم مهتدون} : أي وهم هدى من الله.
أمرهم أولاً باتباع المرسلين ، أي هم رسل الله إليكم فاتبعوهم ، ثم أمرهم ثانياً بجمله جامعة في الترغيب ، في كونهم لا ينقص منهم من حطام دنيانهم شيء ، وفي كونهم يهتدون بهداهم ، فيشتملون على خيري الدنيا والآخرة.
وقد أجاز بعض النحويين في {من} أن تكون بدلاً من {المرسلين} ، ظهر فيه العامل كما ظهر إذا كان حرف جر ، كقوله تعالى: {لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم} والجمهور: لا يعربون ما صرح فيه بالعامل الرافع والناصب ، بدلاً ، بل يجعلون ذلك مخصوصاً بحرف الجر.
وإذا كان الرافع والناصب ، سموا ذلك بالتتبيع لا بالبدل.
وفي قوله: {اتبعوا من لا يسألكم أجراً} ، دليل على نقص من يأخذ أجراً على شيء من أفعال الشرع التي هي لازمة له ، كالصلاة.
ولما أمرهم باتباع المرسلين ، أخذ يبدي الدليل في اتباعهم وعبادة الله ، فأبرزه في صورة نصحه لنفسه ، وهو يريد نصحهم ليتلطف بهم ويراد بهم ؛ ولأنه أدخل في إمحاض النصح حيث لا يريد لهم إلا ما يريد لنفسه ، فوضح قوله: {ومالي لا أعبد الذين فطرني} ، موضع: وما لكم لا تعبدون الذي فطركم؟ ولذلك قال: {وإليه ترجعون} ، ولولا أنه قصد ذلك لقال: وإليه أرجع.
ثم أتبع الكلام كذلك مخاطباً لنفسه فقال: {أأتخذ من دونه آلهة} قاصرة عن كل شيء ، لا تنفع ولا تضر؟ فإن أرادكم الله بضر ، وشفعت لكم ، لم تنفع شفاعتهم ، ولم يقدروا على إنقاذكم فيه ، أولاً بانتفاء الجاه عن كون شفاعتهم لا تنفع ، ثم ثانياً بانتفاء القدر.
فعبر بانتفاء الإنقاذ عنه ، إذ هو نتيجته.